عداد الشرعية

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

خيب ظننا محمد مرسى، كما توقعنا جميعا فيما أظن، كان الأمل أن تكون محاكمته هو وعصبته فرصة لمراجعة مواقفهم وبدء خطوات جادة نحو المصارحة بالإثم الذى مارسوه لسنوات طويلة تركزت بشكل أساسى منذ أن اختطفوا منصب الرئاسة، كان الأمل أن يبدأوا أولى خطوات الشفاء من المرض العضال الذى أصبح ملمحا أساسيا فى شخصياتهم جميعا وفى سياساتهم وسلوكهم، وهو مرض الإنكار، لديهم قدرة غريبة بالفعل على الإنكار والاستمرار فيه بتشبث وعناد.

خرج علينا مرسى، وهو فى حالة متقدمة من هذا المرض العضال، حالة يبدو أنها اقتربت من أن يكون ميؤوسا منها. ما نشر وأذيع عن تفاصيل هذه الجلسة وما قبلها وبعدها يبين بجلاء هذه الحقيقة. لقد اقترب مرسى كثيرا من أن يكون قد أصيب بلوثة مرضية حقيقية. منذ اللحظة الأولى وحتى ما بعد انتهاء جلسة المحاكمة كان يستغرب أنه لا أحد يناديه بكلمة الرئيس، وطلب بإلحاح من المحيطين به أن ينادوه بالسيد الرئيس، وظل يكرر طوال الوقت قبل الجلسة وأثنائها وبعدها أنه الرئيس الشرعى، ظل يكررها بشكل كوميدى وهستيرى فى الوقت نفسه. هذه الحالة من الهلوسة الشرعية انتابته منذ بدأت المظاهرات ضده وجماعته إبان حكمه، واستمرت معه بعد أن ثار الشعب عليه وأطاح به ولم ينجح الزمن فى أن يهدئ منها ومن أعراضها.

لقد ظهر مرسى وهو يتباهى ببذلته التى أصر على ارتدائها، رافضا ملابس المحبوس احتياطيا البيضاء، يسير مختالا وهو يردد أنا الرئيس الشرعى، هذا المشهد ذكر كثيرين بالمسرحية الكوميدية القديمة «مطرب العواطف» عندما ظل يسير الراحل محمد عوض على خشبة المسرح وهو يصرخ حتى نهاية المسرحية قائلا: «أنا عاطف الأشمونى مؤلف الجنة البائسة». هذا المشهد الكوميدى مرشح للتكرار والاستمرار لوقت طويل.

ما لا يعلمه مرسى ومن معه أن الشرعية التى يتحدث عنها ليست حصنا يحتمى به ضد مصدر الشرعية الأصيل، وهو الشعب الذى أدمنوا إنكار وجوده. لا يعلمون أن الشرعية- التى كررها مئات المرات بل آلاف- ليست صك غفران للأبد، وهى عقد مبنى على أهداف حقيقية وإن لم تنفذ يجب أن يرحل.

ولا يمكن اعتبار صراخ بعض التابعين لمرسى فى شوارع بعض القرى والمدن للدفاع عما سموها «شرعية الرئيس» سندا أو عاملا موازنا مع رغبة الأغلبية العظمى من المصريين، هذا الخروج إن عبر عن شىء فإنما يعبر عن حالة مأساة ونزيف للأدمغة، وهو الأمر الذى يدفع للتساؤل: «كيف تكتب جماعات من الناس العبودية على نفسها؟»، وهنا تتبدى بعض الأسئلة المحورية: أى شرعية وأى سيادة يتحدث عنها أنصار الرئيس «مرسى» المعزول بقوة الإرادة العامة؟! وهل الشرعية هى شرعية الشعب أم شرعية الحكومة المتمثلة فى شخص مرسى؟!.. يبدو أن هذه التساؤلات قد حسمت سلفا فى المجتمعات المتمدنة، لكن يبدو أن أمام مرسى وأتباعه شوطا طويلا قبل إدراك ذلك.

لما شهدناه من مرسى خلال فترة حكمه فى الساحة السياسية المصرية والمحاولات المستميتة له لطرح نفسه زعيما إخوانيا عبر مشروعه لأخونة المجتمع المصرى، والتى تزخر بالتنوع الثقافى والسياسى والدينى… إلخ، كانت النتيجة الفوضى وعدم الاستقرار السياسى وتعطيل عجلة الاقتصاد وتدمير العلاقات الخارجية عبر الأطروحات الإخوانية المتطرفة وحصد مزيد من الأرواح باسم الشرعية، وذلك بعد الملاحم البطولية لشعب مصر الذى ظن أنه يدخل فى رحاب الديمقراطية وكل ما تحملها من معانٍ سامية، من دستور يتراضى عليه الجميع والحريات، إلا أن الخيبة الكبرى عندما ذهبت كل هذه التضحيات هباء، عندما أتى بمستبد يمارس الاستبداد باسم شرعية الانتخاب، عمل مرسى على تقويض أركان المجتمع، وعبث بالدستور، واستشرى الفساد، وأظهر راديكالية عقيمة فى إدارة الدولة، كان يمكن أن يعصف بالنسيج المجتمعى المصرى إلى ما لا تحمد عقباه، والآن واضح كوضوح الشمس فى وضح النهار ما أفضت إليه العقلية الإخوانية، كل هذه الأسباب جعلت المؤسسة العسكرية، وهى واحدة من المؤسسات التى تعبر عن الإرادة العامة- إن لم تكن الوحيدة حاليا- تقف بجانب الشعب، مستندة إلى السلطات والصلاحيات المخولة لها من الدستور المصرى، والذى لا يدع مجالا للشك أن استمرارية مرسى فى الحكم مهدد- بل مدمر- أساسى لأسس البناء المصرى. كما ذكرت يبدو أننا سنعيش الفترة المقبلة مع مشهد عبثى يقوده مرسى مكررا، فى حالة باتت تثير السخرية، صرخته الشهيرة: «أنا الرئيس الشرعى، أنا الشرعية، أفدى الشرعية بحياتى، حافظوا على الشرعية، ازحفوا من أجل الشرعية إلى الشوارع والميادين، الشرعية تدافع عن الشرعية، والشرعية للحفاظ على الشرعية، ويجب على كل مواطن أن يحمى الشرعية، وفى ظل الشرعية محمد مرسى متمسك بالشرعية»، هذا الصراخ الهستيرى والتكرار المستمر يتطلب عدادا لعد مرات الصراخ بالشرعية، وهو أمر يثير، كما قلت، الضحك الممزوج بالألم لما وضعنا أنفسنا فى مواجهته.

Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في مؤلفات

قصة حياة حلم وتاريخ ومهنة

شهادات للتاريخ

تحتفل “المجلة” في شهر فبراير الجاري بالذكرى 33 لصدورها. ثلث قرن كامل مرّ عندما قرر الناشران هشام ومحمد علي حافظ إصدار ثامن الصحف والمطبوعات التابعة للشركة السعودية للأبحاث والتسويق. “المجلة” كانت ومازالت واحدة من أشهر المجلات العربية منذ صدور عددها الأول في 16 فبراير 1980 حيث تعاقب على رئاستها نخبة من أبرز الإعلاميين السعوديين والعرب كما كانت أيضا محطة مهمة في المسيرة الصحافية لكتاب عرب أصبحوا من رموز الإعلام العربي. في الذكرى 33.. نقدم سادس شهادة يكتبها أحد الذين ساهموا في المسيرة وكان لهم بصمة في تاريخ “المجلة”.. الكاتب والإعلامي عبد اللطيف المناوي.المناوي-ADD-620x350

قصة حياة حلم وتاريخ ومهنة عبد اللطيف المناوي اكتشفت فجأة أنني قضيت في هذه المهنة اكثر من ثلاثين عاما، سبب المفاجأة لأن شعوري الآن وكأنني بدأت للتو عملي الصحفي، وأنه مازال علي أن أثبت نفسي وجدارتي بأن أحمل لقب صحفي -أو صحافي- كما يقول إخوتنا أهل الشام.

تاريخي المهني -ان جازت عليه صفة التاريخ- بدأ بحلم العمل في “المجلة”، كنت في الجامعة وقت أن صدر العدد الأول لها، أناقاتها وعمقها وتفردها بين المجلات العربية التي كانت موجودة في تلك الأيام خلق رباطا بيني وبين هذه المجلة منذ صدورها، أذكر أنني من بين الذين اشتروا عددها الأول رغم تأثير ذلك على ميزانية الشهر وقتها، وجدت فيها منذ اللحظة الأولى المكان الذي من خلاله يتحقق حلمي في أن أمارس المهنة التي اخترتها رغم تحفظ والدي -رحمهما الله- الذي كان حلمهما أن أكون طبيبا، لكنهما احترما اختياري رغم ما جره وقتها عليهما من قلق ظل ملازما لهما حتى توفاهما الله. عندما سألني المحاضر في احدى قاعات الدرس ان كنت أريد أن أعمل في”المجلة” بعد أن أنهي دراستي لم أصدق السؤال ولكن انطلقت الاجابة بالتأكيد.

مر أكثر من عام بقليل وكنت قد انتهيت للتو من امتحانات البكالوريوس حتى علمت أن المحاضر الذي سألني من قبل يريد أن يراني لأعمل معه في المجلة التي كان مديرا لمكتبها في القاهرة في ذلك الوقت، كان ذلك أكبر من أن أصدقه وقتها، ولكني وجدت نفسي منتسبا لمكان حلمي بالعمل قبل أن تظهر نتيجة الامتحانات.

في مرحلة تالية كان علي الاختيار بين أن أستمر في العمل في “المجلة” أو أن أعمل في إحدى المؤسسات الصحفية القومية، وكان اختياري الاستمرار للعمل في المكان الذي لم يضع لي حدودا في عملي الصحفي رغم كوني في بداية الطريق، هذا شجعني حتى أنني كنت أحاول أن أجد وسيلة لاستمر في العمل وقت خدمتي في الجيش بطريقة أو بأخرى، وهو أيضاً المكان الذي لم يقصر علي مجالا ضيقا، فقد تمكنت في الأشهر الأولى أن أجري أول لقاء صحفي على الاطلاق مع السيدة جيهان السادات بعد وفاة زوجها، وكان ذلك في استراحتها بالمعمورة بمدينة الاسكندرية، وفي هذا اللقاء كانت بداية اعادة النظر من جانبي في تقييم أنور السادات الدور والشخص الذي كنت اعتبر نفسي من أكثر معارضيه، الا أن الحب الذي حملته هذه السيدة له دفعني لإعادة قراءة مواقفه، فلا يمكن لشخص قادر أن يدفع انسانا لأن يحبه آخر بهذا القدر الا اذا كان لديه جوانب جديرة بهذا الحب، وكان هذا هو الدرس العملي الأول، لا مجال للأحكام المطلقة، كل الامور في الدنيا لها على الاقل وجهان.

لم أغضب لعدم وضع اسمي على حوار جيهان السادات، فرحتي بنشره كانت أكبر من أن أغضب من الشخص الذي عرض علي تنفيذ وعده منذ أكثر من عام في تحقيق حلمي بالعمل في “المجلة” وكان هذا هو الدرس الثاني، لا يمكن إدراك كل ما نريد من الدنيا. سريعا أصبحت مديرا لمكتب “المجلة” بالقاهرة، وكان من اسباب غروري المهني وقتها أن يصلني الخبر بمصادرة عدد “المجلة” من الرقابة على المطبوعات في مصر بسبب موضوع لي، ووصل الأمر الى حد مصادرة تسعة أعداد متتالية بسبب موضوعات لي.

ليس هذا وحسب بل كان من بين ما أتاحته لي “المجلة” أن أكون شاهدا على انتفاضة السودان عام 1985 وأن أكون أيضا شاهدا عام 1989على انقلاب الاسلاميين الذين لم نعرف أنهم اسلاميون الا بعد فترة طويلة. كما أن “المجلة” هي الجزء الأقرب الى نفسي من تاريخي المهني، فان الجزء الأهم من تاريخ “المجلة” ككيان صحفي هي الفترة التي تولى رئاسة تحريرها الصديق العزيز عبد الرحمن الراشد الذي استطاع بالفعل أن يجعل من هذه المطبوعة نموذجا صحفيا راقيا لا يقل عن مثيله من المطبوعات في أي من أنحاء العالم، استطاع عبد الرحمن أن يخلق أجواء جعلت كل من يعمل يشعر بالانتماء الشديد للمكان والمهنة والشخص، هذه الحالة صعبت كثيرا على أي كان سيأتي بعده.

خلال الفترة التي عملت فيها في لندن وقت رئاسة الراشد كانت من أكثر الفترات غنى في حياتي، ولن تكفي المساحة المتاحة لذكرها، ولكن من أكثرها اقترابا الى نفسي تلك الرحلة التي قمت بها الى البوسنة وقت الحرب هناك، أو اللقاء الأول في العالم مع متهمي “لوكربي” في طرابلس وقتها الأمين فحيمة وعبد الباسط المقرحي رحمه الله، وغيره الكثير من الموضوعات، ولكن أكثر ما أعتقد أنه كان اضافة حقيقية باب “قضايا وردود” الذي تصدر صفحات المجلة، واخترت له شعارا ما قاله الامام الشافعي “رأيي صحيح يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، ومن أتى بأفضل منه قبلناه”.

ومن خلال هذا الباب طرقنا قضايا وموضوعات لم يكن يصدق انسان وقتها أن تعالج بهذه الصراحة في الصحافة العربية، وكان السر البسيط هو اتاحة المجال للرأي والرأي الآخر بحق، وأظن أن “المجلة” كانت رائدة في هذا المجال في وقت مبكر. لذلك لو لم نفعل في “المجلة” في تلك الفترة سوى هذه الاضافة لكفتنا. منذ عدة أيام زرت مكاتب المجلة في الدور الرابع من دار الصحافة العربية في لندن، والذي يشغله الآن الزملاء في “الشرق الأوسط” ورغم مرور السنين انتابني ذلك الشعور بالحنين للمكان والأشخاص الذين كانوا فيه والذين أظنهم يشاركونني الآن سعادتي بعودتها كنسخة ورقية.

المجلة

مجلة المجلة هي واحدة من أعرق المجلات السياسية في الشرق الأوسط. تصدر شهريا بالعربية والإنجليزية والفارسية من لندن. ومنذ صدور طبعتها الأولى في عام 1980، أُعتبرت المجلة ﺇحدى المجلات الدولية الرائدة في الشئون السياسية في العالم العربي. وكجزء من مطبوعات الشركة السعودية للأبحاث والنشر، نحرص على الحفاظ على اسمنا والارتقاء بمستوانا من خلال تزويد قرائنا بأدق التحليلات الصحافية وأكثرها موضوعية.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في مؤلفات

الكفار و المتأسلمون في تونس

بقلم   عبداللطيف المناوى

رغم احتفال التوانسة بسقوط  حكم زين العابدين بن علي بعد 23 سنة , الا أن الكثيرين – وهم علي حق – يخشون من صعود الأصولية الدينية وتأثيراتها ليس فقط علي حقوق الانسان , ولكن علي كافة مناحي الحياة .

مراسل صحيفة الديلي تلجراف البريطانية في العاصمة تونس يقول تحت عنوان ” الحركة الاسلامية في قلب الاحتجاجات التونسية ” إن حزب النهضة المحظور برز بشكل لافت في قلب الاحداث التي تشهدها تونس , مصمما علي أن يكون اقوي قوة سياسية تقررها الانتخابات التي من المقرر ان تشهدها البلد.

وتواصل الصحيفة قائلة إن زعيم حزب النهضة , راشد الغنوشي , قال انه سيعود الي تونس بمجرد ان تلغي السلطات الجديدة حكم السجن الصادر في حقه , وتمضي الصحيفة قائلة ان الغنوشي يمتلك حظوظا قوية في الانتخابات القادمة بعد تفكك الحزب الحاكم اذ يحظي بدعم واسع في الجامعات التونسية علما بانه سبق له ان ضمن 17 في المائة في الانتخابات الطلابية عام 1989 .

وشاركت بعض قيادات الحزب في الاحتجاجات التي تشهدها تونس . مطالبة باستقالة كل الوزراء بمن فيهم رئيس الوزراء “محمد الغنوشي ” من الذين عملوا مع بن علي , وقال نائب رئيس النهضة ان نشطاء الحزب بدءوا في ممارسة نشاطهم الحزبي والسياسي وقال للديلي تلجراف ” الناس لم يحققوا كل شيء كانوا يريدون تحقيقه . نريد حكومة جديدة قادرة علي صنع الديموقراطية  ” وهذا يعني ان رئيس الوزراء مطالب بالرحيل . من السابق لاوانه الحديث عما يمكن ان يقع بعد الانتخابات .

كان نظام بن علي يقدم نفسه علي انه حاجز ضد الارهاب , ومن ثم قام بتطبيق قوانين صارمة ضد تيارات الاسلام السياسي . الجديد بعد سقوط بن علي هو ذلك الصعود الجديد لاصوات القوي الاسلامية السياسية التي باتت تطالب بحقها بلعب دور بارز في العملية السياسية المقبلة , ورغم ان راشد الغنوش زعيم حزب النهضة الاسلامي مازال يعيش لاجئا في لندن , فان انصاره يشاركون في المظاهرات ويطالبون بالاعتراف القانوني به .

بعض الأصوات في تونس تخشي من استبدال حكومة قمعية باخري مماثلة , وذلك عندما يسيطر الإسلاميون علي الحكم ، صلاة الجمعة أمس الأول وهي الاولي عقب خروج بن علي لوحظ خلالها ان بعض المصلين وزعوا بعد انتهاء الصلاة منشورات تحذر الناس من ” الكفار “

بعد هدوء العاصفة

بقلم   عبداللطيف المناوى

بعد العاصفة التي مرت بها مصر خلال الأسابيع الأخيرة وهددت بالعصف بشدة بالعلاقة الأزلية بين أهل الوطن الواحد من المصريين أقباطا ومسلمين  ، فأنني هنا انتهز هذه الفرصة للدعوة إلى بدء الحوار حول كل القضايا التي أثارت هذه العلاقة ،  فلا ينبغي أن ينسينا ذلك الهدوء الحادث الآن أننا لم نتعامل مع أصول المشكلة .

عندما دعونا في مراحل متعددة إلى أهمية نزع فتيل الأزمة فان ذلك كان انطلاقا من الإحساس بمسئولية كل مواطن عن الحفاظ عل امن وسلامة هذا الوطن ، واستجاب كل العقلاء لهذه الدعوة حتى لو كانت هذه الاستجابة مثلت عبئا نفسيا أو سياسيا على أي طرف من الأطراف ،  و لكن مرة أخرى أشير إلى أن ما كان هو نزع فتيل الأزمة  دون التعامل مع أصول هذه الأزمة .

عادتنا المصرية الأصيلة مع التعامل مع أي أزمة تمر بنا هو التعامل معها والتعاطي معها في لحظة وقوعها ، ونتعامل معها وكأننا لن نتركها إلا بعد حلها ولكن تنتهي ذروة الأزمة فننسى أو نتجاهل العودة للتعامل مع أصل الأزمة ، ما أتمناه هذه المرة أن نغير عادتنا وان نتعامل ونتناقش مع كل ما كان السبب في المشكلات خلال الفترة الماضية .

أدعو إلى استحضار كل الدراسات والوثائق المتعلقة بهذه الإشكالية وعلى رأسها تقرير جمال الدين العطيفي الذي أعده عام 1972 ، وغيرها من النقاشات والحوارات المختلفة ، كما أدعو كل الزملاء الإعلاميين الذين ساهموا في يوم من الأيام عن قصد أو دون قصد بتزكية الاختلاف بين أبناء الوطن بتحويل  منابرهم حول حل تلك  المشكلات ، وبناء الوطن الواحد ، كما أدعو الحكومة إلى طرح كافة الموضوعات والقضايا  المعلقة ووضعها على مائدة البحث وتشريع ما  ينبغي من تشريعات وتأكيد مفهوم المواطنة  وعدم التمييز أن يكون الحاكم في كل ذلك دائما هو سيادة القانون الذي تحدثنا عنه كثيرا ولم ننفذه ، وكل ذلك سيصب في تنفيذ تلك الدعوة المهمة والفارقة بوضع المؤسسات الدينية في مكانها الصحيح في المجتمع ، فتلك المؤسسات أماكن  دعوة وأماكن  عبادة وينبغي ان ينتهي  ذلك الدور المتضخم لها والناتج عن حالة الغياب القصدي او الاختياري او الناتج  عن عدم قدرة او عدم فهم العديد من مؤسسات الدولة  ، على الدولة أن تملأ هذه الفراغات التي تركتها و وسمحت للكيانات الدينية أن تملأها بدلا منها .

 

 

الشبح التونسي في القمة الاقتصادية

بقلم   عبداللطيف المناوى

تنعقد اليوم القمة العربية الاقتصادية التنموية  ، ويحلق في قاعة الاجتماعات شبح ما حدث في تونس ، ومرة أخرى يتم  التعامل مع ما حدث في تونس باعتباره شبحا مخيفا أو خطرا يهدد بعض الأنظمة هذا القدر من التخوف في التعامل مع النموذج التونسي إن جاز أن يحدث لدى بعض الأنظمة فلا ينبغي أن يكون كذلك مع بعض الأنظمة الأخرى .

ورد الفعل العصبي والانفعالي من قبل البعض إنما يؤدي إلى نتائج عكسية بالتأكيد ، فهرولة بعض الحكومات إلى تقديم رشاوى لشعوبها تتمثل في زيادة دعم أو توفير سلع أو إعطاء منح وعطايا  لشعوبهم إنما يؤدي إلى نتائج عكسية وليس ما يبتغونه منها ، فإعطاء هذه المنح والحقوق في هذا التوقيت إنما يعني عدة أمور أولها انه يعطي حق لشعب تحت إحساس بضغط أو تهديد سوف يقع في دائرة الرشوة ، ومن يعطي حقا بعد تخوف من التجربة التونسية إنما يعني انه مخطئ في منع هذا الحق عن الشعب ، وهو يعني أيضا انه اغتصب هذا الحق من قبل واضطر لإعطائه في هذه المرحلة وهو أمر ستتلقفه الشعوب الذكية بالفطرة كما توقع منها هؤلاء الذين القوا اليها بهذه  الرشاوى ، وهو يعني أيضا أن الإمكانية كانت موجودة دائما لحصولهم على ذلك فلماذا لم يحصلوا عليه وهنا يحق لهم ان يحاسبوهم .

ما أظنه في هذه المرحلة انه طريق حكيم للتعامل بين الشعوب وحكوماتهم هو المزيد من الوضوح والإفصاح والمشاركة وإعطاء  الفرصة لأبناء الشعب لكي يكونوا حاضرين في منطقة اتخاذ القرار ، لا أن يتخذوا هم القرار دون أن يضعوا الشعوب و ضروراتهم ورغباتهم في أولويات حساباته عند اتخاذ القرار

منذ عامين انعقدت القمة العربية وخرجت بان العالم العربي يواجه مجموعة من التحديات ودعت إلى ضرورة اتخاذ حكومات الدول العربية الإجراءات اللازمة لتيسير تنقل الأيدي العاملة العربية بين الدول الأعضاء بما يكفل خفض معدلات البطالة. و دعت الى دعم مبادرات القطاع الخاص ومؤسسات وصناديق التمويل العربية لتحقيق برامج التشغيل وخفض معدلات البطالة على المستويين الوطني والعربي. كما تنفيذ البرنامج العربي للحد من الفقر في الدول العربية كما دعت الى وضع سياسات اقتصادية واجتماعية تتيح خفض معدلات الفقر الى النصف في فترة أقصاها عام 2015.

المطلوب الآن من هذه القمة أن تخرج  الى شعوبها لتقول لهم ماذا فعلوا حتى الآن لمواجهة التحديات وهو ليس بكثير حتى اللحظة  وان يلتزموا أمام شعوبهم بجدول للتنفيذ ، اذن المصارحة  والمكاشفة والمشاركة هي الطريق الصحي وليس رد الفعل الخائف المرتبك الراشي .

نداء من المصريين في تونس إلى الأجهزة المعنية

بقلم   عبداللطيف المناوى

بمجرد أن بدأت الأحداث في تونس أعلنت بريطانيا تحركها العاجل لإجلاء رعاياها من هناك ، والرعايا البريطانيين  كان معظمهم  من السياح حيث أن تونس من المقاصد السياحية المألوفة لأوروبا ، وتحركت عدة دول بشكل مباشر بمجرد أن فتح المجال  الجوي التونسي لنقل وإخراج مواطنيها  ، وفوجئت أنا شخصيا باتصالات بالأمس من مصريين علق أبناؤهم في تونس ولم يجدوا من يخرجهم من هناك ،  وتذكرت على الفور موقف مصر للطيران بتعليق رحلاتها  للمجال التونسي بعد بدء أحداث الشغب هناك  ، ولكن ما لم افهمه هو عدم  اتخاذ الجهات المسئولة و الأجهزة المسئولة موقفا سريعا للتعامل مع المصريين هناك ، احدهم قال لي عبر الهاتف باستنكار وألم : المطار لم تتوقف الطائرات عن الهبوط فيه لإجلاء الرعايا ونحن فقط من لا يجدون من يسال عنهم

حرص القيادة السياسية  على المصريين هو أمر غير قابل للتساؤل ، واتخاذ  الرئيس مبارك شخصيا لقرارات مختلفة في إطار الحرص على كل المصريين  مسألة  لا يمكن حصرها بسهولة  ، ولكن  الأمر أيضا لا ينبغي أن يكون الانتظار لقرار من الرئيس مبارك للتحرك لإخراج المصريين من هناك  ، كنت أتصور أن يحدث قدر من التنافس بين الجهات  والأجهزة  المختلفة لرعاية هؤلاء المصريين ، لكن يبدو ـ  وهذه قد تكون معلومات او لا تكون  ـ أن كل جهة حاولت أن تلقي بالمسئولية  على جهة أخرى ،  وفي هذا خذلان للمصريين الذين يعتبرون أن الدولة هي الملاذ ، فأول مؤشرات قناعة الدولة بالممارسة الإجراءات التي تؤخذ من أجل المواطن ، و أن يشعر المواطن ان دولته حريصة عليه  في كل مكان وأي موقع  ، و أول إشارات الحرص هو الشعور بحماية دولته له حتى لو كان بعيدا عنها وقيام الدولة بنزع عنصر القلق عنه ، وإعطاؤه الإحساس وهو في مثل تلك الظروف التي يعيشها بقلق مصريون حتى لو كان هؤلاء مجرد عشرات على أصابع اليد الواحدة .

مرة أخرى كنت أتمنى كما يتمنى كل مصري  أن يكون المجال مجال التسابق بين الأجهزة  المختلفة لتقوم بذلك الدور دون انتظار لقار أعلى منها ، وأتمنى بكون هذا المقال قد تجاوز وقته بان تكون هناك في هذا الوقت طائرة مصرية لتحمل المصريين من هناك .

Game Over

 بقلم   عبداللطيف المناوى

منذ أسابيع تحدثت عن حكاية الأعمى والأطرش ، الأعمى الذي كان يحذر الأطرش من أن هناك خطرا يحدق بهما ، فلم يسمع الأطرش ، ولم يشعر الأعمى ، وهذا ما حدث بالامس في تونس ، كان نتيجة هذه العلاقة بين الأعمى والأطرش ، ، ما حدث في تونس هو أن بن على لم يسمع ونظامه كل أصوات الغضب حتى لو كانت مكتومة ، وكل مؤشرات الفوران حتى لو كانت مكتومة ، لم ير ولم يسمع ، وكذلك شعبه لم يسمع لأنه انفصل عنه منذ فترة طويلة ، أول أمس عندما استعد العالم لسماع بن على وهو يتحدث كانت قد سبقت معلومات عن أنه سوف يخرج ليعلن استقالته ، لكنه خرج ليثبت أنه ظل حتى اللحظة الاخيرة لا يرى ما حدث ، ولم يسمع ما حدث حتى لو قال للشعب التونسي أنه يسمعه

في اللحظة التي انتهى فيها بن علي من كلمته أكدت لمن حولي أنه خطاب ما قبل الاستقالة أو ما قبل الخروج وأنه لم يتمكن من القفز فوق ما تسبب به نتيجة لتلك الممارسات التي اتسمت بأنها ممارسات الحديد والنار ، وراهن دائما على طيبة الشعب التونسي وطبعه الذي يبدو مسالما ، وهذه قراءة أخرى أخطأ فيها نظام بن علي، لم أتصور أن يقبل الشعب ما قاله لهم بأنه قد استمع إليهم وتجاوب مع الضغوط الاقتصادية،وكأنه لم يكن يعلم بها، واطلق حرية الإعلام وكأنه لم يقيدها هو ، فتح المجال أمام المواقع الالكترونية المختلفة وكأنه لم يغلقها هو ، وعندما اعتقد أنه التونسيين سوف يصدقونه فهذا دليل آخر على أنه لم يفهم أو أنه لم يسمع ، الوضع في تونس كأي بلد منغلق سياسيا ، مامع للرأي الآخر ، مصادر للمعارضة ، مطار لكل من يختلف معه ، مكمم لأفواه الجميع ، مقيد لوسائل الإعلام ، حائل بين الناس و التواصل مع العالم عبر الوسائل الالكترونية المختلفة ، ليست البطالة وحدها هي السبب، ولكنه الإحساس بالظلم والأحساي بالتربص و المنع من التعبير ، كل ذلك كان كفيلا بنهاية تلك العلاقة بين الأعمى والأطرش ، ويرفع أحد المتظاهرين شعارا بالأمس قبل خروج بن على من تونس يقول فيه ” رسالة إلى بن على game over     اللعبة انتهت .

قناعة العيش الآمن

بقلم   عبداللطيف المناوى

حادث مساء أمس  الذي راح ضحيته مصري وأصيب خمسة آخرون    حتى الآن  في قطار بالمنيا ينبغي أن نعمل وبسرعة على ألا  يكون طريقا للتصعيد مرة أخرى ، وصلنا معا إلى القناعة بأهمية العيش الآمن بين كل المصريين ، فلا ينبغي  أن نسمح لمهووس أو متعصب أو غاضب أو متخلف بأن يمس هذه الحالة  من التوحد ، ما حدث بالأمس و الذي لم تتوفر بعد كل المعلومات عنه  ،  إنما يدلل على أنها حالة تتسم بمزيج من التعصب والهوس وعدم الاستقرار ، إذن هي حالة فردية ، حتى لو ترجمت أو ترجم الفعل في شكل الإصابات الجماعية التي حدثت  ، لا نريد ولا ينبغي أن نسمح لمثل هذه الحالة ، ومثل ذلك السلوك الشاذ  بأن يدفع مرة أخرى إلى استحضار حالة الاحتقان التي عانينا منها وما زلنا ، ولا ينبغي أن نسمح بأن يتحول ذلك الحادث إلى إشعال فتيل جديد لقنبلة التعصب وحرائق الفتنة  ، بل ينبغي أن  نكون نحن جميعا من يطفئ هذه الحرائق ، وعندما أتحدث عن ( نحن ) فإنني أقصد كل أبناء هذا الوطن من العقلاء  الذين لم نعد نملك غير الاعتماد عليهم في هذا الدور، وأتمنى ألا يبدأ مشعلو الحرائق مرة أخرى في النفخ في نار صغيرة من أجل مجد شخصي أو نصر إعلامي ضيق الأفق حتى لو بدا كبيرا في لحظتها ،  وأيضا من بين الخطوات الأولى هي الإعلان الواضح والأمين الواضح لكافة  أبعاد هذا الحادث بكل ما فيه وأيا ما كانت أبعاده .

 

حتى لا تكون محاصصة

بقلم   عبداللطيف المناوى

لا نريد لرد فعلنا أن يدفع بالمجتمع تجاه مفهوم المحاصصة ، فالحال السائد في هذه المرحلة بعد حادثة الاسكندرية ، والملابسات التي حدثت بعده سيطر عليها إحساسات متناقضان ، الأول إحساس بالذنب و التقصير يدفع  بتقديم كل ما يثبت حسن النية والرغبة في التعويض عما يعتقد أنه حق ضائع على مر الأعوام للمصريين الأقباط ، الثاني تيار يعتقد أو يتهم بأن ما يحدث هو شكل من أشكال لي الذراع حتى لو أدى إلى المطالبة بحقوق أو ما يعتقد الآخرون أنها حقوق ، وفي هذه الأجواء تخرج بعض الأصوات التي تنادي بتخصيص أوقات معينة في الإعلان أو تخصيص مناصب معينة في مؤسسات الدولة أو تخصيص عدد معين من المسئولين ، الفريق الأول يريدها تعويضا والفريق الثاني يريدها تحجيما .

وأيا ما كان الوضع في الحالتين  فهو خطأ كبير سوف ينزلق إليه الوطن في حال ما لو اتبع أحد الاتجاهين ، الخطأ الكبير هو التعامل مع هذه الموضوعات بنفس الحل الذي اصطلح على تسميته في البلاد التي تعاني من حالات التفتت الشديد بين طوائفها أو جماعاتها الوطنية أو الدينية أو السياسية، تعرف باسم المحاصصة أي ان يكون لطل حصة وفقا لحضوره ، ومرة أخرى هذا هو الخطأ الكبير ، فمصر لم تعرف هذا المصطلح يوما ، ومحاولة إعماله هو خطأ كبير والقبول به كما ذكرت هو بداية الانزلاق إلى هاوية لا يريدها أي محب لبلده أن تقع فيه .

الحل يكمن كما قلت وقال كثيرون من قبل وأعيد التأكيد في الدولة المدنية ، والدولة المدنية هي دولة القانون التي لا تعرف فرقا بين مسلم أو مسيحي ، وتقف مؤسسات هذه الدولة على مسافات متساوية من كل أطرافها ، والقاعدة الرئيسية فيها هي قاعدة المساواة ، ودولة القانون هذه هي التي تصل بنا إلى إعمال مفهوم المواطنة ، ذلك المفهوم الذي وضعناه في الدستور ولم نعمله  في حياتنا حتى الآن بعد ، والأساس في هذا هو عدم التمييز بين المواطنين المصريين ،واتمنى لو أن هذا المفهوم تتم صياغته في شكل قانون واضح الملامح يطبق بحق ويكون قانون يختص بعدم التمييز بين المصريين على أي اسس عرقية أو دينية أو إثنية أو جنسية ، لكنه مواطن مصري ككل المصريين الآخرين ، هذا هو الطريق الذي لا اظن أن له بديلا .

 

 

 

تكلم البابا

بقلم   عبداللطيف المناوى

بالأمس طالبت بأن الوقت بات ملحا لأن يخرج البابا شنودة إلى المصريين ويتحدث إليهم ، وذلك حتى يقوم بجوره المسئول و المتوقع منه من أجل حماية هذا الوطن من مغبة الانسياق إلى طريق الفتنة  بما يهدد مسئوليته الوطنية فقط ، وبالفعل حدث ما تمنيته  وتكلم البابا ، وكان حظي أن يكون خطابه إلى المصريين من خلال حواره معي على التليفزيون المصري ، تليفزيون الدولة ، جاء الحديث صريحا واضحا ، علت فيه الحكمة والالتزام الوطني وتحمل المسئولية وهو أمر ليس غريبا على تاريخ البابا شنودة حتى لو لم تأت الرياح في بعض الأحيان بما تشتهي السفن .

أبرز ما لاحظته إضافة إلى حكمة البابا في تناول الوضع الساخن بل الملتهب حاليا هو تلك الشمولية في رؤية المشكلات التي تواجه مصر ، وأن ما يشكو منه الأقباط ليس أمرا منفصلا عن حالة عامة ، وأن حل هذه المشكلات إن وجدت لا يمكن حلها إلا من خلال رؤية شاملة وتحرك شامل من أجل الحل .

مرة أخرى حالة التوحد التي عاشها  المصريون عقب مجزرة الإسكندرية هي حالة ينبغي أن نبني عليها ونؤكد تلك الحقيقة التاريخية التي تؤكد أن مصر هي دوما لكل المصريين ، وكلام البابا شنودة بالأمس هو أحد الأسس التي ينبغي أن نضعها في الاعتبار ونحن نتحرك في هذا الاتجاه .

اذكر مرة أخرى ما ذكرته بالأمس في لقائي بالبابا شنودة بأن تقريرا بريطانيا في النصف الأول من القرن الماضي  ينسب للورد كرومر كان يصف المصريين ” جئنا إلى مصر نبحث عن مسلمين ومسيحيين فلم نجد سوى مصريين بعضهم يذهب إلى المسجد ، وبعضهم يذهب إلى الكنيسة “