غياب التمويل وضعف الدعم دفعا حماس إلى مواجهة الواقع

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

هناك ملاحظة مثيرة للاهتمام، خلال الأشهر الأخيرة لوحظ أن هناك تراجعاً للتنظيمات الإرهابية فى جبهات متعددة، بدأت قوات الشرعية تتقدم فى بعض البلدان التى تشهد صراعات وحروبا أهلية، مثل اليمن والعراق وليبيا، وانحسار العمليات الإرهابية فى بلدان أخرى بالمنطقة، مثل البحرين. أما سوريا فالميليشيات الإسلامية المتشددة بدأت تنهار أمام الجيش السورى. هل هى صدفة أم أن هذا تأكيد على التورط القطرى فى دعم حركات التمرد والتنظيمات الإرهابية فى هذه البلدان بالمال والسلاح؟ واليوم بدأت هذه التنظيمات تعانى من شُح أو توقف التمويل عنها، بعدما أصبحت قطر تحت المجهر وبعد أن بدأت الدول الأربع المحاربة للإرهاب مواجهتها مع قطر وإصدار قرارات المقاطعة.

هذه الملاحظة تتأكد صحتها بعد أن أعلنت حركة حماس قبول جهود الوساطة المصرية لتحقيق المصالحة الفلسطينية، وقررت القبول بالشروط التى وضعتها مصر والسلطة الوطنية الفلسطينية، فوافقت على حل اللجنة الإدارية فى قطاع غزة، ودعوة حكومة الوفاق للقدوم إلى قطاع غزة لممارسة مهامها والقيام بواجباتها فوراً. هذا التحول الدرامى فى موقف حماس ليس تطوراً فى رؤيتهم، ولكنه انعكاس للوضع الصعب الذى أصبحت فيه الحركة بعد توقف الدعـم القطـرى، لـيس فقـط لحمـاس، ولكن أيضا وبالأساس لجماعة الإخوان المسلمين التى تعتبر حماس جزءا أصيلا منها.

منذ عدة أسابيع أكّدت أوساط سياسية فلسطينية أن انسحاب قطر من المشهد الفلسطينى يسهم فى زيادة احتمالات النجاح فى ملف المصالحة الفلسطينية بشكل أكبر، خاصة مع لجوء حركة حماس لقوى إقليمية أكثر قربًا من الملف الفلسطينى كالجانب المصرى لحلحلة الأوضاع فى قطاع غزة المنهار.

انشغال قطر بأزمتها الداخلية، وتأكيد حركة حماس أنها لا ترتبط بأى شكل بحركة الإخوان المسلمين جعلا من تجاوب القيادة المصرية أكثر فاعلية وتأثيرًا خلال الفترة الماضية، فى سبيل تحقيق المصالحة وإنهاء ملف الانقسام، أملًا بحل أزمات القطاع المحاصر.

الأزمة القطرية لها تداعيات سياسية كبيرة جدًا على قرار حركة حماس السياسى بشكل خاص، وعلى الحالة السياسية بشكل عام، لأن قطر كانت الدولة الأكثر تأثيراً فى القرار السياسى لحماس.

الاهتمام الفطرى كان يتركز فى أن يكون لحماس دور فاعل ومؤثر باعتبارها أحد الأفرع القوية لحركة الإخوان المسلمين، الآن وقد تراجع دور قطر، وأصبحت عاجزة عن الاستمرار فى دعم الحركات المناهضة للشرعية، والجماعات الإرهابية كالإخوان المسلمين وأذرعها، فإن هذا قلص دورها بشكل واضح بالنسبة لحماس وبالنسبة لتأثيرها على الساحة الفلسطينية، خاصة مع عودة الدور المصرى إلى الساحة الفلسطينية وبروز الدور الإماراتى.

وتوقع وقتها عدد من المراقبين والمحللين السياسيين أن انشغال قطر بأزمتها والمقاطعة العربية لها سيقلل من قدرتها على التأثير على الحركات التى اعتادت دعمها، وبالتالى تواجه جماعة الإخوان المسلمين أزمة تمويل بالإضافة إلى التضييق عليها فى مختلف دول العالم وكشف علاقتها بالإرهاب، فإن ذلك سيدفع حركة حماس أن تحاول أن تنفى أنها ترتبط بأى شكل بحركة الإخوان المسلمين وتلقى قطر جانباً، مما يجعل تجاوب القيادة المصرية أكثر فاعلية وتأثيرًا خلال الفترة الماضية، فى سبيل تحقيق المصالحة وإنهاء ملف الانقسام، أملًا فى حل أزمات القطاع المحاصر. وأنا أذكر حماس كنموذج يتكرر فى الدول الأخرى التى عانت من الإرهاب المدعوم من قطر.

الموقف العربى من قطر أدى إلى إضعاف أشد الداعمين لحركة حماس، الأمر الذى أدى إلى أن تفقد الحركة مكانتها فى الساحة الفلسطينية، وهو الأمر الذى كان سيجبرها على تقديم المزيد من التنازلات. لم تعد الخيارات المطروحة أمام حماس كثيرة، إما أن تواجه الأزمة بمزيد من التصلب، وتتجه نحو معركة جديدة مع إسرائيل، وهو الأمر الذى لا تسعى إليه حركة حماس فى الوقت الراهن، ولا تستطيع فعله، أو المضى قدماً فى تحقيق المصالحة الفلسطينية مع حركة فتح. فعليا يبدو أنه لم يكن هناك خيار.

ولكن هل ستستسلم قطر بسهولة، فى ظل العناد القطرى؟! فالمتوقع محاولات قطرية على الحركة، للسعى لإفشال أى اتفاق أو تطور يؤدى إلى حالة استقرار فى أى من هذه الدول والسعى لعدم المضى فى أى طرق تنهى الاٍرهاب، وتقضى على الفوضى.

لم يدرك قادة قطر بعدُ أن عناصر المعادلة قد تغيرت.

Advertisements

هل يمكن القول: الروس قادمون؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يبدو أن الخطة التى وضعها بوتين منذ توليه رئاسة روسيا تعتمد بشكل كبير على إعادة رسم خارطة منطقة الشرق الأوسط اعتماداً على مزيج من التحالفات شديدة النفعية مع أطراف سياسية فى المنطقة لم يكن يمكن تخيل وجود أى مستوى من التحالف أو التنسيق بينها وبين روسيا، والعنصر الثانى بناء وتعزيز قوة عسكرية قادرة على العودة للقيام بأدوار عسكرية خارج حدود الاتحاد الروسى، ففى الوقت الذى كانت الولايات المتحدة تركز فيه على دورها فى أفغانستان والعراق وإدارة الصراع العربى- الإسرائيلى والتأثير فى الأوضاع السياسية الداخلية لدول المنطقة، كانت روسيا تعيد بناء جيشها وتعيد النظر فى عقيدة الحرب القتالية، وبدا واضحا سعى بوتين إلى إعادة فرض هيبة روسيا فى العالم وقدرتها على أن تلعب دور البديل، ونجح فى ذلك إلى حد ملحوظ، ساعده فى ذلك الأخطاء الأمريكية التى ساهمت فى خلق مساحات يتمدد فيها الدب الروسى العائد ليحتل مناطق نفوذ جديدة. ولقد وصل الأمر فى منطقة الشرق الأوسط إلى حد أن دول الخليج العربى، الحليف الأصيل لأمريكا، بدأت تضع فى حساباتها حتمية وضع المصالح والأهداف الروسية فى الاعتبار، وهو أمر لم يكن يخطر ببال أحد منذ أعوام، بل أشهر، أن يكون.

زعماء المنطقة بدأوا يتقاطرون تباعا إلى الكرملين، بعدما خاب أملهم بحليفتهم أمريكا، ويمكن اعتبار ذلك، فى كثير من النواحى، خطأ أمريكا نفسها، التى تجبر سياساتها العديد من الشركاء على إعادة التوجه نحو موسكو. حتى الأمس القريب، كل هؤلاء القادة كانوا يبحثون عن حل مشاكلهم حصرا فى واشنطن، ولكن النفوذ الأمريكى فى منطقة الشرق الأوسط ضعف الآن إلى حد كبير، فيما حققت روسيا الكثير من التقدم.

خلال الحرب الباردة، كان لموسكو الكثير من النفوذ فى الشرق الأوسط، فهى تولت تسليح الدول العربية التى قاتلت ضد إسرائيل. لكن نفوذها اختفى جنبا إلى جنب مع انهيار الشيوعية، وعندما غزت الولايات المتحدة العراق من أجل الإطاحة بصدام حسين وجدت روسيا نفسها فى دور مراقب خارجى، ولا يمكنها سوى الاحتجاج. فى عام 2013، بدأ الوضع يتغير عندما تراجعت الولايات المتحدة بقيادة أوباما عن مهاجمة الأسد، بعد عامين أرسل بوتين قواته وطيرانه ليقلب المعادلة فى سوريا رأسا على عقب.

بوتين استطاع أن يوجه السياسة الروسية لتلعب دورا يبدو متوازنا فى الشرق الأوسط، وأن يظهر وكأنه يبقى على مسافة واحدة من الخلافات المستعرة بين دول وأقطاب المنطقة.

يمكن القول إن روسيا بدأت تعزيز مكانتها فى الشرق الأوسط عندما يمم القادة الأمريكيون وجوههم نحو آسيا، على الرغم من أن واشنطن لاتزال قوة لا غنى عنها فى الشرق الأوسط، لكن تحالفاتها التقليدية فى المنطقة ضعفت، وهذا هو السبب الذى يدفع بالزعماء الإقليميين إلى البحث عن بدائل لها اليوم.

The bear steps in when the eagle flies away

by Abdellatif El-Menawy

Egypt is an important player in the region’s political equation. In relation to Russia’s foreign policy in the Middle East, Egypt is an important component that has had a considerable impact since the fall of the Muslim Brotherhood, driven by the Egyptian people and army.
It seems that the plan Vladimir Putin developed as soon as he became Russian president largely relies on redrawing the Middle East’s map through forming highly utilitarian alliances with some of the region’s political bodies who had never expected to form an alliance of any kind, or cooperate at any level, with Russia.
The second element in Putin’s plan is to develop and strengthen Russia’s military power so that it can play roles outside the borders of the Russian Federation. While the United States was focused on its roles in Afghanistan and Iraq, as well as handling the Arab-Israeli conflict and influencing the political situation of the region, Russia was restoring its army and reevaluating its military doctrine; Putin’s quest to regain Russia’s prestige in the world and its ability to play an alternative role was obvious, and he succeeded significantly at both. America’s mistakes created enough space for the Russian bear, who has returned to exert his influence over new territories. This influence in the Middle East has reached close US allies: The Arab Gulf states, who began considering the inevitability of taking Russia’s interests and objectives into account, which is something no one expected years ago — not even months ago.
This major transformation was initiated after Russia’s intervention in Syria in September 2015. Many Western and Arab analysts did not expect this intervention to last long, and deemed it ineffective and harmful for the Russian army. However, through this intervention, Russia achieved many of its key objectives: Unlike the US, it proved its sincerity in supporting its allies, as seen by several regional powers and countries. Russia’s influence has forced major US allies such as Turkey and Israel to seek Russia’s help and coordinate with it to achieve its goals in Syria. Let us not forget Putin’s alliance with Iran, which has troubled many countries in the region.
Egypt has been the primary focus of American-Russian competition, both seeking to extend their influence over the last 25 years, and since the Camp David Accords were signed, Egypt has become one of the most important US allies in the region.
The chaos across Egypt after the events of January 2011 opened a new door for Russia at a time when the US withdrew its support for Egypt and failed to empower the Muslim Brotherhood. The US also paused its military aid after the fall of the Brotherhood in 2013, which created a negative climate and prepared public opinion to accept the change in the Egyptian state’s direction. In 2014, Egypt signed an arms deal with Russia, the first since the Cold War. More arms deals followed. The convergent views that Egypt and Russia share on the Syrian issue are shocking. Egypt’s President Abdel Fattah El-Sisi openly declared that the stability of Syria lay in supporting Bashar Assad because he is a strong man. Besides, both Egypt and Russia support Khalifa Haftar’s role in Libya.

“US disengagement in the region has provided an opportunity for Russia, and Vladimir Putin has taken it — most noticeably in Egypt.”

What is also worth noting is the great contradiction between the current situation and the situation that prevailed two years ago when Russia’s role in the region was marginal compared with the major US intervention, and this is worth being monitored and tracked.
The region’s leaders began streaming into the Kremlin after their American ally let them down, A US mistake that forced its allies to turn to Moscow. Until recently, all these leaders were searching for solutions to their problems in Washington, but the US influence in the Middle East has become quite feeble, while Russia has made significant progress.
During the Cold War, Moscow had great influence in the Middle East because it armed Arab countries against Israel. However, this influence disappeared with the fall of communism, and when the US invaded Iraq to overthrow Saddam Hussein, Russia was nothing more than an outside observer that could only protest. In 2013, things started to change when America, led by Barack Obama, decided not to attack Bashar Assad. Two years later, Putin sent his aircraft and troops to turn the game in Syria upside down.
Putin managed to direct Russia’s policy toward playing a balanced role in the Middle East. He wanted to look as if he were being neutral toward the conflicts between region’s countries and powers.
Russia started to strengthen its status in the Middle East when the US leaders turned their attention to Asia, and despite the fact that Washington is still an essential power in the Middle East, its traditional alliances have faded, which forces regional leaders today to seek alternatives.

صناعة الفرحة وفتح طاقات الأمل

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

«حاجة تفرحنا»، «الناس محتاجة أمل ولحظة سعادة»، «هذه أول مرة يخرج فيها ملايين المصريين منذ سنوات ليحتفلوا لا ليتظاهروا»، هذه ‏التعبيرات وغيرها مما يشبهها سمعناها كثيرا الساعات الماضية، حالة الفرحة الحقيقية التى عاشها كل المصريين الساعات الأخيرة هى إعلان عن الرغبة فى الحياة والبحث عن أمل فى غد قادم أفضل.

لا ينبغى التعامل مع هذه اللحظة باعتبارها مسكناً للوضع الصعب الذى يواجه البلد ويعايشه الناس، ولكن ينبغى استخدامها للبناء ‏عليها من أجل المستقبل.

لحظات الفرح التى سكنت كل المصريين بعد التأهل لكأس العالم يمكن أن تكون منطلقاً لتغيير أو استعادة لحالة كنّا قد وصلنا لها كمصريين ولكن بدا وكأنها تآكلت مع ما مرت به البلد. لكن صورة الأمس أعطت أملاً فى إمكانية الاستعادة، بل الرغبة فيها. من بين أكثر الصور تعبيرا عن عن هذا الأمل فى استعادة الحالة الإيجابية للمصريين هى تلك الصورة التى حكتها لى عائلة صديقة خرجت لتشارك فى احتفالات الشارع وكيف أن أبناءهم شعروا لأول مرة بأنهم ينتمون لهذا البلد، شعروا أنهم مصريون وبفخر. عندما خرجوا ‏والتحموا بآلاف الناس فى الشارع يحملون أعلام بلادهم، ويهتفون جميعا لبلدهم. عندما اقتربت منهم الشرطة شعر الأطفال بخوف واحتموا بأمهم وأبيهم خوفا من أن يتعرضوا للاعتداء. ولكنهم ‏اكتشفوا أن رجال الشرطة أتوا ليحتفلوا معهم ويحملون الأعلام معهم، ولتنظيمهم وحمايتهم. قد تكون هذه صورة عادية ولا تستحق الذكر، ولكن إذا ما ذكرت أن عمر الأطفال يتراوح بين العاشرة والثانية عشرة، وأنهم أسرة مصرية مسيحية هنا يمكن أن نضع يدنا على مغزى القصة وأهمية دلالاتها.

الأم تقول لى إنها لحظات لم يشعر فيها الأطفال إلا بأنهم أهل هذا البلد لا فروق اجتماعية ولا دينية ولكنهم جميعا أبناء هذا البلد.

يجب أن نعترف بأن هناك تغييرات حقيقية حدثت فى هذا البلد منذ عام 2011، ليست فقط تغييرات سياسية أو اقتصادية ولكن هناك تغييرات فى التركيبة الاجتماعية والتركيبة النفسية لنا نحن المصريين. هذا الاعتراف هو الأساس لإيجاد مخرج وحل لما تعانى منه الدولة والمجتمع فى مصر. عانينا نحن المصريين فى الفترة الأخيرة، ومازلنا، من ظروف أدت إلى خلق حالة هى مزيج من الفوضى وانهيارات فى عديد من أجزاء البناء القيمى للمجتمع، وامتزج هذا بحالة من اتسام الوجوه بمزيج من الغضب والإحباط والحزن والإجهاد. ثبت أن الخروج من هذه الحالة لا يكون إلا فى صناعة الفرح، والاستمرار فيها. هذه الصناعة متعددة الاتجاهات، قد تكون كرة القدم هى أسرعها، وهو ما نجح فيه الفريق القومى المصرى لكرة القدم.. مرة أخرى اكتشف المصريون طعم الفرح، لكن هذا أمر ارتبط ويرتبط دائما بأقدام لاعبين وكرة مستديرة. لذلك فإن هذا وحده لا يكفى. المطلوب التخطيط نحو استمرار صناعة مساحات فرحة حقيقية للناس. هذه المساحات يمكن أن نجدها فى تطوير المستوى المعيشى وفى خلق أمل فى المستقبل. الأمل هو الدافع للإنسان ‏ليستمر فى العطاء وليتحمل الصعوبات التى يواجهها فى حياته. وصناعة الأمل هنا تعتمد بالأساس على قدرة الدولة ونظامها فى التواصل لإقناع الناس بأن غدا أفضل، وهذا الإقناع يجب أن يكون مبنيا على أسس علمية وحقائق‏ وإنجازات ملموسة على أرض الوطن. أعلم أن هناك توجهاً لدى الدولة فى ألا تفصح عن كل ما تفعل، وأنا هنا أختلف مع هذا التوجه لأن الناس فى حاجة لأن تعرف لكى تؤمن بأن غداً أفضل. الاقتناع والإيمان بالأمل يكون راسخاً وإيجابياً عندما يكون مبنياً على حقائق مرئية وملموسة، ‏ولا يمكن أن يعيش على غيبيات لا يراها.

المجهول بالنسبة لأى إنسان طبيعى ليس أملا حقيقيا يمكن البناء عليه بإيجابية.

مبروك لنا جميعا الصعود إلى النهائيات، والأمل يظل باقياً فى البناء على لحظات الفرح لصنع المزيد منها ولاستعادة بلدنا التى عرفناها.

ثورة الشك

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

قال الإمام الشافعى: «وجود الشك هو أصل بداية الخيط لإيجاد الحقيقة». بمنطوق آخر: الشك هو أساس اليقين. هذا النوع من الشك هو شك إيجابى، فلا سبيل لليقين من الأشياء إلا من خلال بذرة الشك التى تدفع إلى البحث عن حقائق الأشياء للوصول إلى اليقين، أياً ما كان هذا اليقين سلبياً أو إيجابياً، هذا ما يمكن أن نطلق عليه الشك البنَّاء.

النوع الثانى من الشك هو الشك المدان، وهنا يمكن أن ينطبق عليه مفهوم التشكيك أكثر منه الشك، ولا تكون الوسيلة هنا هى البحث للوصول إلى اليقين، ولكن يكون الشك من أجل خلق تلك الحالة من زعزعة اليقين، وتكون هنا الأهداف واضحة المعالم، الغرض هو التهديم، وبكافة الوسائل المتاحة.

هذه ليست مقالة فلسفية، ولا أسعى هنا لاستعراض مفهوم الشك الفلسفى لدى ديكارت، أو مفاهيم الشك المختلفة فى العلوم الطبيعية ومجالاتها التطبيقية أو العلوم الإنسانية، ولكنى هنا أتحدث عن نوع الشك الذى بات يسود المجتمع ويقود حركته، وهل يندرج هذا النوع من الشك تحت مفهوم الشك البنَّاء أم الهدَّام؟ ومن يدفع به- أى الشك- فى أى من الاتجاهين؟.

مع الأسف الشديد نحن نعيش حالة يسود فيها إلى حد كبير مفهوم الشك الذى لا يهدف إلى الوصول لليقين، ولكن هناك من يدفع الأمور دفعاً فى اتجاه النوع الآخر من الشك. من الملاحظ أن هناك حملة دائمة فى كل ما يواجه المجتمع من أجل التشكيك فيما يحدث من وقائع. من يتحمل هذه المسؤولية ليس من يقع أسيراً لتساؤلات أو شكوك ولكنه من يتجاهل التعامل مع الشكوك والإجابة على التساؤلات، وهنا أعنى من يمتلكون هذه الإجابات، وهنا أعنى تحديداً المسؤولين الذين يمتلكون الرد على الشكوك أو الاستجابة لما قد تكشفه وخفى عنهم.

أنا أؤمن تماماً بأهمية البدء بالشك فى الأمور من أجل البحث عن اليقين الذى سبق أن أشرنا إليه، من حقى كمواطن أن أشك مثلاً فى جدوى أىٍّ من المشروعات، وأطالب بمعرفة ما يحدث، ولماذا، وما العائد؟، بل أطلب وأضغط من أجل البحث عن المتاح من معلومات. ومن حقى فى مرحلة تالية أن أشعر بدرجة مختلفة ومتزايدة من استمرار الشك عندما يواجهنى المسؤولون بقدر عظيم من الاستهانة عما أتساءل عنه. ولكن، لست مع من يستغلون هذه الحالة من أجل الدفع بشكل مستمر إلى تصعيد حالة الشك إلى مستويات أعلى ومستمرة فى كل ما يحدث من إجراءات، أو أن أصل بالشك بسبب دفع هؤلاء إلى درجة عدم اليقين فى كل ما يحيط بنا، وكل ما يحدث معنا. أظن أن حالة عدم اليقين وحالة الشك الدائم فى كل ما يحيط بنا ليست فى صالح هذا الوطن، وأظن أن من ينظرون إلى الأمور نظرة ضيقة من أجل تحقيق هدف سياسى ضيق، أو من تسيطر عليه روح انتقام أو عداء للنظام أو للمجتمع، أظن أن هؤلاء إنما يقامرون بل يحرقون مستقبل هذا الوطن. وهنا أيضاً لا أدينهم وحدهم بل أضم لهم أولئك الذين يرفضون أو يعجزون عن التعامل مع حق الناس فى المعرفة.

أنا هنا لا أتحدث عن قضية بعينها، ولكن أتحدث عن حالة تستدعى التوقف للتفكير، ودق جرس- بل أجراس- الإنذار، فثورة الشك الهدامة إذا سادت لا تُبْقِى بَناءً دون هدم.

«إحنا بتوع الأتوبيس»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كنت حريصا دائما على ألا أشاهد نوعية من الأفلام، التى تدين فترة حكم جمال عبدالناصر، خاصة تلك الأفلام التى تدعى أنها تكشف ما كان يمارس فى المعتقلات والسجون المصرية مثل «الكرنك» و«إحنا بتوع الأتوبيس»، وغيرها من الأفلام، كان السبب فى تجنبى رؤية تلك الأفلام عائدا إلى رغبتى فى عدم مواجهة إدانة عصر بكامله، بسبب تجاوزات حدثت فيه، وأيضا كان اقتناعى بأن هذه الأفلام تضخم الأمور، وتصور الوقائع بأكبر من حجمها. لكن يبدو أن للعمر فعله مع الإنسان، فما كان يعتقده مبررا فى مرحلة عمرية معينة، يكتشف فيما بعد أن أى تبرير لا يمكن أن يقف متماسكا أمام تجاوزات فى حق الإنسان فى أن يعيش كريما، ولا يوجد هدف مهما سما يبرر امتهان إنسان، ودهس كرامته وإنسانيته.

منذ فترة قصيرة شاهدت برنامجا وثائقيا، كان عن أحد المعتقلات فى الصحراء الغربية. أكثر ما استوقفنى فى هذا العمل كان تلك اللحظات من الغضب والصمت التى انتابت أحد المعتقلين السابقين، عندما كان يروى العذابات التى عاناها فى المعتقل، عندما عاش عاما ونصف العام فى عزلة كاملة، لم يتكلم فيها مع بشر، ولم يكن يدخل عليه سوى السجان، يخرج فى اليوم لأقل من دقيقتين ليفرغ الدلو الذى يقضى فيه حاجته، ومرة كل شهر ليغسل ملابسه. أخذ يصف صنوف العذاب التى تعرض لها، وعندما وصل إلى النقطة التى يصف فيها كيف كانوا يعطونه نصف شفرة مرة كل شهر ليحلق بها رأسه بيده، فيجرح نفسه هنا ينفجر المعتقل السابق غاضبا: «لماذا لا يأتى واحد آخر ليحلق لى رأسى، بدلا من أن أجرح نفسى وأنا أحلق؟» ولا يتمالك نفسه، يستجمع لحظات القهر جميعها لتتلخص فى ذلك الموقف الصغير.

كما قلت. يبدو أنه العمر الذى يجعلنا نكتشف قدسية الحفاظ على إنسانية الإنسان، كلنا مررنا بمرحلة الحماس للفكرة أو العقيدةـ سياسية كانت أو دينيةـ وغرقنا فى تفاصيل ما اعتقدنا فيه، وآمنا به حتى الدرجة التى أعمتنا أحيانا، وفى مراحل سنية معينة عن أى سلبيات لما نؤمن به، ورأينا، أو رأيت وقتها، أن من اختار ممارسة لعبة السياسة، عليه أن يقبل بقوانينها حتى لو حملت فى طياتها فى كثير من الأحيان تجاوزا لأى قيم إنسانية، أو إهدارا لحقوق إنسان آخر، طالما أنه قبل أن يلعب اللعبة، وبالتالى إذا فاز له السيطرة، وإذا خسر له تبعات الخاسر والأضعف.

إنه منطق أن المنتصر، له حق فرض شروطه على الخاسر. هذا المنطق كان له حضور فى أذهاننا وقت الاندفاع والحماس غير المحسوب، ولكن النظرة المختلفة للأمور بعد تجارب الحياة المختلفة، وبعد نضج العقل والشعور نكتشف خطأ ما اندفعنا فيه من تبرير لمواقف نظم وحكام ضد معارضيهم، عندما انتهكوا حقوقهم وإنسانيتهم. ببساطة، لا يوجد سبب واحد على وجه الأرض يبرر انتهاك إنسانية إنسان، ولا يوجد مبدأ سياسى أو عقيدى جدير بالاستمرار والاعتقاد فيه إن سمح بمثل هذا الانتهاك، ولا يوجد نظام سياسى جدير بالاستمرار إن وجد فى انتهاك حقوق ناسه أسلوبا أو وسيلة للاستمرار.

أذكر ذلك المشهد من تلك الكوميديا السوداء التى شاهدتها أخيرا بعد ذلك العمر «إحنا بتوع الأتوبيس»، عندما يصرخ عادل إمام وعبدالمنعم إبراهيم، بأنه لا علاقة لهما بالسياسة، وأنهما بتوع الأتوبيس المعتقلين بالخطأ، وأذكر وجه المعتقل المغربى الغاضب، لأنهم لم يأتوا له بمن يحلق له رأسه، بعد كل هذا العذاب الذى عايشه.

أذكر تلك المشاهد وغيرها، ويزداد يقينى أنه لا حق لإنسان، أياً كان، أن ينتهك إنسانية إنسان آخر.

What happens when Qatar stops funding terror

by Abdellatif El-Menawy 

There has been a marked decline in the activities of terrorist organizations on several fronts in recent months. Legitimate forces have begun to advance in some countries experiencing conflicts, terrorist operations and civil war, such as Yemen, Iraq, Libya and Bahrain. Hard-line Islamist militias in Syria are collapsing at the hands of the Syrian army. Is this a coincidence? Or is it confirmation of Qatari involvement in supporting rebel movements and terrorist organizations in these countries by financing and arming them? It could be said that today, these organizations are suffering from a lack of funding after Qatar came under scrutiny, and after the Anti-Terror Quartet began to confront it and boycott it.
This observation was confirmed after Hamas announced the acceptance of Egypt’s mediation efforts to achieve Palestinian reconciliation, and decided last Sunday on the dissolution of the administrative committee in the Gaza Strip.
They also invited the Government of Reconciliation (Al-Wefaq) to come to the Gaza Strip to exercise their functions and carry out their duties immediately. They are ready to meet the Egyptian call for dialogue with Fatah on how to implement the 2011 Cairo agreement and form a national unity government. The dramatic shift in Hamas’s position is not a development in their vision, but a reflection of the difficult situation the movement is facing after the withdrawal of Qatari support, not only for Hamas but also and mainly for the Muslim Brotherhood, of which Hamas is a big part.
It may be appropriate to recall what US President Donald Trump said in his first reaction to the decision to isolate Qatar: “During my recent trip to the Middle East I stated that there can no longer be funding of radical ideology. Leaders pointed to Qatar – look!”
Trump did not show much sympathy for Qatar at the time, although it is a center of US military operations in the region. The US president hoped this would be “the beginning of the end of the horror of terrorism.”
The map of the export of terrorism from Doha to the Gulf and the world includes a large number of Arab, African and European countries. Among them are Egypt, Syria, Iraq, Saudi Arabia, the UAE and Libya. In each of these countries, which are supposed to be Qatar’s brothers, Doha supports death, chaos and civil war and fuels sectarian and ethnic strife.
It is clear that the position taken by the Anti-Terror Quartet of Saudi Arabia, the UAE, Egypt and Bahrain was already the beginning of the end. Libya is currently looking optimistic and has had an unprecedented improvement in security, political and social conditions after it paralyzed the capabilities of terrorist militias who were receiving money, weapons and direct orders from Qatar. This was in part due to the meeting in Paris between Fayez Al-Sarraj and Khalifa Haftar, and the signing of an agreement to commit to a conditional cease-fire and prepare for presidential elections. The agreement is a positive step to achieve security and stability after the absence of Qatari influence, which has been an obstacle to this rapprochement.

“From Gaza to Syria and Libya to Iraq, Islamist militants are on the retreat. It is no coincidence that this happening while the Anti-Terror Quartet puts pressure on Doha over its support for extremism.”

According to Libyan sources, there is more evidence of this in the final clearance of Benghazi. Extremist terrorist organizations, who have controlled the region for more than three years as a result of the financial support and information provided by the Qatari regime, are either defeated or dissolving themselves. Calm has returned to Tripoli after the expulsion of fighting groups outside the city by the battalion of the revolutionaries of Tripoli.
Several weeks ago, Palestinian political circles confirmed that the withdrawal of Qatar from the Palestinian scene will increase the chances of Palestinian reconciliation, especially as Hamas has consulted with regional forces closer to Palestinian  Authority and the Egyptian side to resolve the situation in the Gaza Strip.
A number of political observers and analysts predicted that Qatar’s preoccupation with the Arab boycott crisis would reduce its ability to support movements it used to back. Therefore, the Muslim Brotherhood faces a funding crisis as well as increased pressure from around the world, as its relationship with terrorism is exposed. This will push Hamas to deny that they are linked in any way with the Muslim Brotherhood movement and Qatar, which makes the current response of the Egyptian leadership more effective and influential; this will help to end Palestinian division and achieve reconciliation.
The Arab position on Qatar has led to the weakening of the strongest supporters of Hamas, which caused the movement to lose its position in the Palestinian arena, and that has resulted in Hamas having to make more concessions. The options facing Hamas are limited. Either the crisis faces more rigidity and a new battle with Israel, which Hamas is neither seeking nor able to take part in, or move forward on reconciliation with Fatah.
But will Qatar surrender easily? Given its history of intransigence, it is likely that Qatar will exert pressure on Hamas to try to thwart the reconciliation agreement. Qatar’s leaders do not seem to realize that the elements of the equation have changed.

محاولة جادة لمعالجة فن الحوار المفقود بين الشرق والغرب

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تظل جسور التواصل بين الشرق والغرب أحد أكثر التحديات الإنسانية، فى فترات تاريخية وفِى محاولات عنترية أكثر منها واقعية، حاولت أجزاء من هذا الطرف أو ذاك أن تسيطر على الطرف الآخر. وفِى مرات عديدة حاول أفراد ممارسة العولمة حتى قبل اختراع المصطلح، فكان المستشرقون وكان «المستغربون» إن صح التعبير، ويمكن اعتبار هؤلاء هم «العولميون الأوائل»، هم الجسور الحقيقية فى محاولة الفهم.

أعجبنى اختيار اسم المبادرة «الشرق والغرب: فن الحوار»، بالفعل فإن ما ينقصنا ليس فقط الحوار ولكن فى الأساس هو غياب الفن فى إدارة هذا الحوار عندما يوجد مع الآخر.

وتهدف مبادرة «بين الشرق والغرب: فن الحوار» إلى إعادة بناء الجسور التى كانت موجودة بين الشرق والغرب، وذلك من خلال برنامج تبادل مستمر يهدف إلى ربط وبناء علاقات بناءة بين قادة المستقبل من العالم العربى والغرب من الشباب. ويعمل برنامجها، الذى أصبح يعرف باسم «زمالة جبر» نحو الهدف الرئيسى المتمثل فى البناء على العلاقات بين الدول من خلال الحوار بين الثقافات وتطوير المشاريع التعاونية، والتى هى نتيجة لرؤى مشتركة من الشباب المشاركين فى المبادرة.

وفى كل عام، تتكون المبادرة من 20 -24 فتاة وشابا، حوالى 10 أمريكيين و10 مصريين، مع توزيع متساو للرجال والنساء. يقضى المشاركون فى البرنامج أسبوعين فى مصر، يليهما أسبوعان آخران فى الولايات المتحدة، ويستمر بناء علاقات دائمة من خلال التدريب العملى على الأنشطة، المشاركة فى النقاشات، والتفاعل القائم على شبكة الإنترنت، والأهم من ذلك، مشاريع العمل التعاونى الخاصة بهم.

عندما أطلق شفيق جبر فى العاصمة الأمريكية واشنطن أمس مبادرته منذ حوالى خمسة أعوام كنت حاضراً، وكان ذلك الإعلان فى متحف متروبوليتان الشهير فى ليلة مصرية راقية مبهرة، وفِى حضور أمريكى رفيع المستوى وثقافى ودبلوماسى عالمى. استقبال الفكرة كان شديد الإيجابية، حماسة جبر للمشروع لم تتوقف منذ بدئه، بل إنه تعامل معه طوال الوقت كأولوية رئيسية بين أعماله وارتباطاته بل ومشاكله.

لذلك لم يكن غريبا، رغم قيمته، التكريم الذى حصل عليه شفيق جبر الشهر الماضى عندما اعترف مركز لندن لبحوث السياسات، وهو مركز فكر معروف فى السياسة الخارجية والأمن القومى الأمريكى، وقريب الصِّلة بالجمهوريين، على مدى السنوات الخمس الماضية بالمساهمين فى تعزيز التفاهم والحوار ومنح المركز شفيق جبر جائزة الحرية الأمريكية المرموقة (للمرة الأولى تمنح لغير أمريكى)، لجهوده فى بناء الجسور على أساس المنفعة المتبادلة مع الدول ذات الأهمية الحاسمة للولايات المتحدة. المؤسف أيضا أن أحدا لم يهتم إعلاميا بهذا التكريم الذى كان شريكا له فيه هنرى كسينجر وزير الخارجية الأمريكى الأسبق.

مثل هذه المبادرة، ومثل هذه الشخصية هى ما يمكن اعتبارها عناصر مهمة فيما نطلق عليه القوة الناعمة للدولة. وهو أمر جدير بمن يهتم بمصلحة هذه الدولة أن يهتم به ويدعمه.

حرمتنى الظروف مرتين متتاليتين من المشاركة فى هذه المبادرة المهمة، وأشعر بالحزن لذلك، ولكنى أعتزم ألا أفقد مثل هذه الفرصة مرة ثانية.

«أقنعونى ولا تقمعونى» شعار صالح للعلم والحياة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ليس الْيَوْمَ ذكرى وفاته أو ميلاده، مازال باقياً شهر على ذلك وشهران على ذاك، ولكن الْيَوْمَ نستحضر حالة طه حسين بمناسبة بدء العام الدراسى، أى دوران عجلة التعليم المهترئة، وذلك الجدل الدائر حول مسألة تطوير التعليم فى مصر، وهو الأمر الذى لا أستطيع أن أرى غيره، ما يمكن اعتباره مشروعاً قومياً يفوقه أهمية. على مدى 84 عاماً من عمره (1889 – 1973) أمضى طه حسين حياته فى مواجهة الجهل والجهلاء. مر على وفاته أربعة وأربعون عاما تقريبا ونحن ما زلنا نواجه الجهل والجهلاء اللذين عانى منهما طوال حياته، فقد كان الجهل وراء علاج حلاق القرية لعينيه فأصابه بالعمى وهو طفل صغير، وكان الجهلاء وراء اتهام شاعره الأثير أبى العلاء المعرى بالكفر والإلحاد لأفكاره وآرائه، ولذلك لم يكن غريباً أن يحصل طه حسين على أول دكتوراه عن شعر المعرى كما لو أنه أراد الدفاع عنه وإثبات براءته أمام التاريخ، وبهذا كان طه حسين أول باحث يحصل على أول دكتوراه تمنحها الجامعة المصرية 1914.

ولم يسلم طه حسين من هجوم الجهلاء عليه، حتى بعد أن غادر الحياة، فقد بادر بعضهم بقطع رأس تمثال طه حسين فى حديقة محافظة المنيا منذ أكثر من عدة أعوام. وفى نفس العام تم إلغاء تدريس كتابه الشهير «الأيام» بالمدارس.

أستعيد صورة وتاريخ طه حسين فى هذه الأيام التى بتنا نؤمن يقيناً بأننا لن نخرج منها إلا فوق أكتاف المتعلمين الذين على أكتافهم تبنى الأمم. ولذلك نحن فى حاجة إلى إعادة دراسة وتدريس طه حسين بالمدارس والجامعات، إذا كنا صادقين فى مواجهة الجهل والجهلاء، لأن استمرارنا فى الجهل بإنتاجه الفكرى والأدبى وهو الذى أسهم فى تكوين العقل العربى المعاصر، وكان أبرز رواد حركة التنوير فى الفكر العربى.

بدأ طه حسين معركته التنويرية الحادة بكتابه «فى الشعر الجاهلى»، والذى صدر عام 1926 عن دار الكتب المصرية، وهو عبارة عن مجموعة من المحاضرات التى سبق أن ألقاها على طلابه، والذى أثار حينها عاصفة من النقاش والجدال، وكان له دوى كبير فى الأوساط الفكرية والثقافية المصرية والعربية؛ لما تضمنه من آراء جديدة صدمت جهات كثيرة، خصوصا الدينية المتزمتة، وحتى فى أوساط بعض النقاد العقلانيين الذين اتهموه بالقفز فوق التاريخ، وكذلك اتهام الإسلاميين له بالكفر، وبخيانة التاريخ العربى والإسلامى، وقد تم منع هذا الكتاب تحت ضغوط بعض الفئات الإسلامية المتطرفة وغيرها، لكن هذه الهجمة جعلته يصر على موقفه. ومما قاله فى هذا الأمر آنئذ: «جادلونى بدلاً من أن تتهمونى، فإن ما أكتبه هو اقتراح للمناقشة، أقنعونى ولا تقمعونى». وقد توقَّع طه حسين ما حدث من ضجة حول الكتاب، ومن انقسام حوله بين داعم ورافض له مما جعله يكتب فى مقدمته: «هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربى جديد، لم يألفه الناس عندنا من قبل. وأكاد أثق بأن فريقاً منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقا آخر سيزورّون عنه ازورارا. ولكنى على سخط أولئك وازورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث، أو بعبارة أصح أريد أن أقيده، فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابى فى الجامعة. وليس سرًّا ما يُتحدث به إلى أكثر من مائتين. ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعا، ما أعرف أنى شعرت بمثله فى تلك المواقف المختلفة التى وقفتها من تاريخ الأدب العربى، وهذا الاقتناع القوى هو الذى يحملنى على تقييد هذا البحث ونشره فى هذه الفصول، غير حافل بسخط الساخطين ولا مكترثٍ بازورار المزوَرّ. وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قوما وشق على آخرين، فسيرضى هذا الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم فى حقيقة الأمر عدة المستقبل، وقوام النهضة الحديثة، وذخر الأدب الجديد».

وبعد مرور عام من الاحتجاجات التى صاحبت ظهور هذا الكتاب، صدر الكتاب مرة أخرى عام 1927 بعنوان «فى الأدب الجاهلى»، وذلك بعد أن تم حذف بعض الأفكار التى كانت سبباً فى إثارة كل هذا السخط على طه حسين.

منذ إصداره كتاب «فى الشعر الجاهلى» عام 1926 ومعاركه ضد الجهل والجهلاء لم تتوقف، فقد كان أول من رفض منح عدد من الدكتوراه الفخرية للعائلة المالكة والمحسوبين على القصر الملكى، فتم اتهامه بمحاربة السلفية والظلم الاجتماعى، وهو ما دفع خصومه إلى اتهامه بالشيوعية، ولم تتوقف معاركه حول الاستبداد السياسى والعدالة الاجتماعية والجمود الدينى. وقد واجه خصومه بشجاعة.

أهمية طه حسين تكمن فى أنه حمل الذهنية النقدية، ولم يكن مجرد متلقٍ للمعطيات، بل حاول تفكيكها إلى أجزائها وإلى بنياتها الأولى، والداخلية، والمجازية، ومن ثم إعادة بنائها، وهذا ما جعله يناقش القضايا الدينية بمداخل غير دينية. وهو الذى كان من الذين انخرطوا فى الأزهر وفى التعليم الدينى، وكان مراده أن يكون شيخاً فى بداية الأمر، لكن مع هذا اتهمه بعض العقلانيين بأنه رغم كل هذه العقلانية بقى أسير بداياته وإرثه الدينى.

لماذا طه حسين الآن وليس هذا موسم الحديث عنه، فلا هو ذكرى ميلاده ولا ذكرى وفاته؟ أظن أن الإجابة تكمن فى أصل الداء الذى نعيشه وهو أزمة التعليم وانتشار الجهل والجهلاء، ولا مخرج لنا من تلك الحالة إلا بالبدء الجاد نحو حل قاطع لمشكلة التعليم.

القضاء على جهاد الترف والإعانات الشهرية

مقال بقلم عبد اللطيف  المناوي

بدأ الإدراك ‏المتأخر لدى بعض الدول الغربية فى المرحلة الأخيرة لخطر إعطائهم سماء آمنة للإسلاميين المتشددين، لأن الثمن الذى دفعوه فيما بعد أثبت خطأ حساباتهم فى بعض العواصم، وكشف ‏عواصم أخرى، وكشف تورطهم أمام الرأى العام فى هذه البلاد، ما دفعهم لاتخاذ خطوات قد يستطيعون من خلالها إصلاح ما فات.

وبات طبيعيا أن تسير فى شوارع أوروبا، فتجد حولك أسماء ووجوها هى مطاردة من بلادها لأسباب مرتبطة بتورطهم فى أعمال إرهابية أو غير قانونية. ولأسباب مختلفة ظل الغرب يدافع عن وجود هؤلاء بدعوى احترام القانون وحماية حقوق الإنسان.

فى مطلع عام 1999، شاركت فى إحدى القنوات فى استديوهاتها فى لندن، وكان الضيف الآخر هو مصطفى كمال مصطفى الذى يلقب بالشيخ أبوحمزة المصرى. فى أثناء الحوار تساءلت:

لماذا لا نجد قيادات الإسلاميين الذين يسمون الجهاديين إلا فى عواصم أوروبا الغنية المترفة، حيث يعيش هؤلاء الجهاديون وهم يستمتعون برخاء تلك المدن التى أعطتهم سماءً آمنة، ولا نجد مثل هؤلاء القادة فى عواصم أو مدن أفريقية فقيرة أو مدن آسيوية تعانى؟!

نظر إلىّ أبوحمزة بعينه اليمنى السليمة (فقد عينه اليسرى وكلتا يديه فى انفجار لغم كان بحوزته وقتما كان فى أفغانستان) وقال: «إن الغرب بالنسبة لنا نحن- الإسلاميين- كدورة المياه، نقضى فيه حاجتنا، ونرحل بعد ذلك». ظننت وقتها أن الدنيا ستقوم، ولن تقعد، ولكن كأن شيئاً لم يقل. ظلت بريطانيا تغض الطرف عن أى تحذيرات من خطر إيوائها إسلاميين متطرفين، وحذا حذوها العديد من الدول الأوروبية.

قصة أبوحمزة فى لندن تصلح كنموذج يؤكد قصور فهم الحكومات الأوروبية فى ذلك الوقت للخطر الذى يمكن أن يمثله حماية وجود مثل هؤلاء المتشددين وإعطاؤهم سماء آمنة يعيشون فى ظلها. أبوحمزة الذى أصبح شيخاً لمسجد فى منطقة فينزبرى بارك، شمال لندن، ظل يدعو للكراهية من على منبر المسجد، ثم فى الشارع أمام المسجد، ورفضت بريطانيا تسليمه إلى اليمن لمحاكمته فى تورطه بتفجيرات إرهابية ضد المصالح الغربية هناك.

بدأت أدرك خطر الرجل فى 2004، وصدر عليه حكم بسبع سنوات، ثم بدأت رحلة ترحيله إلى الولايات المتحدة الأمريكية والتى استمرت حتى تم ترحيله، قبيل منتصف ليل الخامس من أكتوبر، عام 2012، أى قرابة أربعة عشر عاما، بعد ذلك الحوار.

ما ذكرته هو نموذج متكرر فى العديد من العواصم الأوروبية التى ظلت تدافع عن وجود الإسلاميين المتشددين فى أراضيها لأسباب تتعلق بمفهوم تلك الدول للديمقراطية وحقوق الإنسان.

عندما زار أليستر برت، وزير الدولة البريطانى للشؤون الخارجية، مصر، الشهر الماضى، كان أهم ما فى جعبته هو ذلك الخطاب الجديد الذى يعبر عن تغير مهم فى الرؤية البريطانية لمكافحة الاٍرهاب واكتشافها الواضح لدور جماعة الإخوان المسلمين فى دعم الجماعات الإرهابية والفعل الإرهابى فى مختلف أنحاء العالم.

هذا التغير المهم عبر عنه بيرت فى لقاءاته بالمسؤولين المصريين الذين التقاهم وبعض الإعلاميين. وعبر عنه بشكل واضح لا يقبل اللبس فى مقاله الذى نشره بجريدة «الأهرام» المصرية. فى هذا المقال تحدث بيرت بلغة خطاب جديدة، لم أسمعها حتى منه، عندما التقيته فى ديسمبر، من عام 2013 فى إحدى المناسبات المحلية لحزب المحافظين فى لندن، وقتها لم يكن مستعداً كثيراً للتجاوب مع التغير الدى شهدته مصر فى الثلاثين من يونيو، من ذات العام، عندما أطاح المصريون بالإخوان، كان متحفظاً فى موقفه، غير داعم بشكل واضح لفكرة الإطاحة، بالإخوان المسلمين من الحكم فى مصر. كذلك عندما خرج التقرير البريطانى فى نهاية عام 2015 كان هناك تحفظ نسبى على ربط جماعة الإخوان بالإرهاب، رغم ما بدا من بداية تغير أو شكوك فى تحركات الإخوان. الكثيرون اعتبروا هذا التقرير غير حاسم، وغير مرضٍ لمن يعرف خطر الإخوان المسلمين أو من عانى، ويعانى منهم.

قال بيرت فى مقاله بشكل واضح: «أصبح فى بريطانيا الآن أى شخص، فى أى منظمة، يثبت تحريضه على الكراهية وتسامحه مع أو دعمه أو تبريره للإرهاب مخالفا للقانون ومعرضا للملاحقة القضائية والعقاب»، مؤكداً «أن هذه الرسالة موجهة أيضا إلى الإخوان المسلمين».

أظن أننا بحاجة للدفع مع العواصم الأوروبية الأخرى لتحذو حذو بريطانيا التى نحتاج لاستمرار العمل معها، والضغط عليها لتحويل أقوالهم إلى أفعال.