شهداء رفح… والعريش

الأيدي الآثمة التي اغتالت الجنود المصريين، وقت الإفطار في رمضان، في مذبحة رفح الأولى، حينما اعتلى الإخوان سدة الحكم في مصر، هي نفس الأيدي التي اغتالت الجنود المصريين وأصابت العشرات في العريش في العملية الإجرامية الأخيرة، فلا يمكن الفصل بين العمليتين، بل يمكن أن نقول إنهم كانوا في العملية الأولى يمهدون الطريق لإبعاد الجيش عن الساحة، وعندما فقدوا السيطرة على مقدرات البلاد جنّ جنونهم، فانطلقوا في عملياتهم الإرهابية التي تقتل وتدمر وتخرب.
لا أوجه الاتهام إلى أحد بعينه في جماعة “الإخوان”، لكن لهم جميعاً، لمن تواطأوا وسكتوا، ولمن خططوا ونفذوا، ولمن دعموا في الخفاء، ولمن هللوا، ولمن تربصوا، ولمن كانوا يريدون إبعاد الجيش المصري downloadوالشعب المصري، والسيطرة على البلاد، لإقامة خلافتهم المزعومة التي لا تختلف في شيء عن خلافة تنظيم “داعش” في العراق، إلا في اختلاف الواجهة.
في العملية الإرهابية التي أصابت العريش، وسقط فيها شهداء ومصابون من المصريين، اختلطت دماء الجنود المصريين بدماء المدنيين، لتؤكد مجدداً أن هذه معركتنا جميعاً، جيشاً وشعباً، جميعنا في خندق واحد، ضد تنظيم أعمى إرهابي لا يرى إلا نفسه، ولا يعبد إلا ذاته وتعاليمه الجاهلة والكافرة بالإنسانية والوطن، والتي تضحي بأي شيء للوصول إلى أهدافها، فتستهدف المدنيين والجيش، وتضع قنابلها في المطاعم والقطارات والأتوبيسات، لتكذّب ادعاءها السابق أنها لا تستهدف إلا الجيش والشرطة، ولتوقظ الجميع مجدداً، وتذكرهم بأن العدو لا يفرق بين مصري مدني ومصري مجند، فهم ضد المصريين على طول الخط.
انتقلت عملياتهم من سيناء إلى أحياء القاهرة، وإلى المحافظات، بعد ذكرى 25 يناير، في محاولة لخلق حالة من الفزع والخوف، في الوقت الذي تتقدم فيه مصر قدماً للإعداد للانتخابات البرلمانية- ثالث مراحل خارطة الطريق وآخرهاـ وفي الإعداد للمؤتمر الاقتصادي العالمي، في محاولة من التنظيم الإرهابي لإيهام العالم أن مصر تعاني توتراً وعنفاً، والإيحاء أن هناك خللاً، في محاولة لإفشال المؤتمر الاقتصادي، وإكمال خارطة الطريق.
المطلوب الآن من الدولة هو التعامل بقدر من الحدة والحسم مع هذا العنف الذي استشرى وبدأ يضرب بأذنابه في كل مكان، حتى إن كان غير مؤثر في بعض الأماكن، إلا أنه مثير للقلق، وهو ما تسعى إليه الجماعات الإرهابية وأذنابها، وأبواقها الإعلامية لتقول للعالم إن مصر عادت إلى أجواء العنف مرة أخرى.
وعلى الدولة، وهي تتعامل بالحسم الكافي مع هذه التجمعات الإرهابية، ألا تغفل بُعدَين مهمين هما البعد الاقتصادي، والبعد الاجتماعي، ولكل منهما أهميته، فالبعد الاقتصادي أن تتقدم الدولة إلى الأمام في المشاريع الاقتصادية والقومية التي بدأت فيها بالفعل، وأن تواصل البناء وخلق حالة من التنمية، لأن أحد أهداف هذه العمليات التخريبية تعطيل وإفساد أية عملية تطور وبناء اقتصادي تحدث في البلاد، أما البعد السياسي فهو بجمع السياسيين حول الوطن، وحول مشروعاته القومية، وحول زعامته الجديدة، وأن يشعر المصريون أنهم يد واحدة في مواجهة التطرف والتخريب، فهذا وحده كفيل بإفساد خطط الإرهاب، والتنظيم الذي يبدو مستعداً للقضاء على جميع المصريين بلا تمييز، لكي يعود مجدداً إلى الحكم.
أمام المصريين معركة طويلة، معركة من أجل بناء وطنهم، ومعركة ضد الإرهاب الأعمى، لن يكفي أن نخوض معركة دون أخرى، بل يجب أن نخوضهما معاً، وننتصر فيهما معاً، وربما على المصريين في هذه اللحظة، أن يتذكروا الشعار الستيني القديم “يد تبني ويد تحمل السلاح”.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

حكايات من سيناء

“المسافة بين الكذب والصدق أربعة أصابع، ووضع يده بين أذنه وعينه الصدق أن تقول رأيت، والكذب أن تقول سمعت”، هكذا قال الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وهكذا آثر الشيخ حسن خلف، أحد مجاهدي سيناء، أن يستعيد مقولة عليّ وهو يتحدث عما رآه من بطولات في حرب أكتوبر وبعد نكسة 1967، حكى لي عن جندي كان يعمل على مدفع هاون، ولما انسحب الجنود كان ينزل إلى الملاجئ ويحمل الدانات على كتفه حتى استشهد فوق كرسي المدفع، ودفن بعد 15 يوماً.download

بعد حرب أكتوبر هرع أبناء سيناء إلى مكاتب المخابرات الحربية من بورسعيد مروراً بالإسماعيلية وليس انتهاءً بالسويس، حيث شكلوا مجموعات عمل تحفظ ذكراها ملفات المخابرات، فمنهم من تدرب على أجهزة اللاسلكي وذهب خلف خطوط العدو، ومنهم من عمل “بوسطجياً” يحمل المعلومات إلى الغرب، ومنهم من تدرب على الصواريخ، وتم التدريب في فترة قياسية جداً، وقام بعمليات اعتراضية خلف خطوط العدو بدون أي مقابل.

سقط منهم الشهداء وسقط منهم الأسرى، واستدل الشيخ حسن خلف بجملة أحد القيادات السياسية “لم تكن لدينا أقمار اصطناعية، ولكن كانت لدينا هذه العيون الصادقة”، وأشار إلى أبناء سيناء، وقال آخر “إن أبناء سيناء جعلوا مواقع العدو كتاباً مفتوحاً أمام القوات المسلحة، ولولا صدق المعلومة ما نجحت المعركة”.

الشيخ سليمان المغنم، شيخ المجاهدين في سيناء، حكى لي عن إحدى سيدات البدو التي خبأت أحد الجنود من طائرات العدو، وعن نفسه عندما كان يرصد تحركات العدو، وتحركات معداته، والدبابات العائدة، والحافلات التي تحمل الجنود بأن يجمع أنواع الحطب، ورمز لكل مُعدة بنوع من الحطب.

من ضمن الحكايات التي حكاها لي الشيخ المغنم حكاية لواء مدرع عساف ياجوري، فبعد أن بدأت الحرب، كان دور الشيخ سليمان هو رصد المدرعات والآلات العسكرية الإسرائيلية التي تمر وإحصاؤها وإرسالها إلى المخابرات الحربية، وفي يوم 7 أكتوبر تحرك لواء مدرع من معسكر الأمن المركزي في رفح، والذي كان يعمل فيه أحد البدو الوطنيين.

أخبر الشيخ سليمان بتحرك المدرع بنوع الآلات العسكرية وعددها واتجاهها، وتوقيت التحرك، الذي أرسل برقية إلى القيادة بأن اللواء المدرع في المنطقة الفلانية على الطريق الشمالي بعدده ونوعه وتوقيته، وأخذ يتابعها من مكان إلى آخر، ولما وصلت العريش ومرت على قرية الميدان أرسل برقية أخرى بالتفاصيل، ولما مرت على قرية الروضة أرسل برقية أخرى، ولما مرت على قرية الخربة، وهي منطقة ممنوعة للمدنيين أرسل برقية أخرى، ولم يعرف الشيخ سليمان أن هذا هو اللواء مدرع عساف ياجوري الذي ألقي القبض عليه إلا عند تكريمه سنة 1979.

هذه الحكايات التي سمعتها من مجاهدي سيناء، وحكايات أخرى كثيرة من دفتر بطولات أبناء سيناء، هي دافع لنا للتوقف، ليس لاستعادة ذكرى انتصارات، بل للاستبصار بها في ظل الوضع القائم في سيناء، فقد قدموا الكثير لوطنهم، ومستعدون أن يقدموا أكثر من أجل رفعته وعلو شأنه، واليوم عندما يقف أهل سيناء مرة أخرى بجانب جيشهم في الحرب على الإرهاب الجاثم هناك فهو موقف بطولي جديد ينبغي أن نضيفه إلى حكايات بطولاتهم التي لا تنتهي.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

متى يضحك المصريون؟

2novعبد اللطيف المناوي

بلغت درجة تقديس القدماء المصريين للنكتة أنهم جعلوا لها إلهة وزوجوها لإله الحكمة. وهذا هو بالضبط التفسير الأقرب لارتباط النكتة لدى المصريين بالتعبير عن موقفهم من الحياة بكل تفاصيلها، وإذا ما تراجعت النكتة في المجتمع المصري وسادت روح الاكتئاب فإن هذه علامة خطيرة على أن الأزمة كبيرة. مثل هذه الأجواء كانت قد سيطرت على مصر في الأشهر الأخيرة لحكم “الإخوان” عندما أصيب المصريون جميعاً، عدا قلة، بحالة حادة من الاكتئاب كان يمكن أن نلمسها بين المصريين داخل مصر وخارجها.

الضحكة على وجه المصري الأصيل تبدو وكأنها محفورة عمرها من عمر بدء حضارته، الضحكة على الوجه تخفي خلفها تفاصيل حياة بشقائها وحلوها ومرها. وقد استخدم المصريون منذ القدم سلاح الضحكة والنكتة في مواجهة كل الصعوبات الحياتية خاصة الاقتصادية والسياسية. مصر رغم غناها البشري والثروة الطبيعية لم تعش كثيراً في حالة يسر اقتصادي، بل واجه أهلها أو قطاع كبير منهم صعوبات اقتصادية، وفي مجال السياسة فإن علاقةً شديدة الخصوصية والتعقيد ربطت المصري بالسلطة السياسية، وهذا جدير بحديث آخر في وقت آخر. هذه العلاقة دفعت المصري إلى أن يبحث عن وسائل مختلفة يعبر بها عن مواقفه التي لا يأمن أن يعبر عنها بوضوح وصراحة، كما أنه يقاوم ظرفه الاقتصادي الصعب بالضحك عليه واختلاق النكات عن صعوبات حياته. ستلاحظ أن المصري عندما يلقي نكتة فإنه يفعل ذلك لا من أجل إضحاك من يسمعها، بل يسعى إلى أن يضحك مع ضحك من يسمعها، هو باحث عن البسمة من أجل الحياة حتى لو كانت الضحكة على ظروف حياته. الضحكة هي رغبة في الحياة. يوصف المصريون بأنهم “أبناء نكتة” يلجأون إلى السخرية والضحك، إما للتعبير عن الرأي أو لدفع الهم ومحاولة لتجاوز الواقع المعيش.

نظريات علمية حاولت تفسير ظاهرة النكتة، إحداها يعتبرها فرعونية الأصل، فيقال إن المصريين القدماء اعتقدوا أن العالم خلق من الضحك فحين أراد الإله الأكبر أن يخلق الدنيا أطلق ضحكة قوية فظهرت السماوات السبع، وضحكة أخرى فكان النور والثالثة أوجدت الماء إلى أن وصلنا إلى الأخيرة خلق الروح، وظهرت في البرديات رسوم كاريكاتورية وعلى قطع الفخار أيضا تنتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية احتفظت بها متاحف العالم، واستخدم المصري القديم الحيوانات للسخرية من خصومه السياسيين، فهناك صورة فيها فئران تهاجم قاعة للقطط، والفئران تمتطى العجلة الحربية وتمسك الحراب والدروع حاملة السهام والأقواس، أما القطط فترفع أيديها مستسلمة. وقصد المصريون القدماء أن يمثلوا الهكسوس بالفئران هم وغيرهم من الغزاة، أما القطط فترمز إلى حضارة شعب مصر.

لم يستطع من احتل مصر على مر العصور مقاومة النكتة المصرية، الرومان عندما احتلوا مصر حرموا على المحامين المصريين دخول محاكم الإسكندرية لأنهم كانوا يسخرون من القضاة الرومان ويهزأون من ضعفهم في تحقيق العدالة، فاستخدموا النكتة والقافية للدفاع عن السجناء السياسيين. وللشاعر الروماني ثيوكربتوس مقولة شهيرة قالها قبل الميلاد بحوالي 200 سنة «إن المصريين شعب ماكر لاذع القول، روحه مرحة».

عندما جاء الاحتلال العثماني لمصر كانت السمة الغالبة عليهم الغطرسة والتوتر، وما ميز أشكالهم الكروش الكبيرة التي وضعت عليهم مسحة من الكسل وضيق العقل، فسخر المصريون من “نفختهم الكاذبة”، فيقول الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»: “لقد نكّت المصريون على الباشا التركي وحولوه إلى أغنية لحنوها ورددوها (يا باشا يا عين القملة مين قال لك تعمل دي العملة، ويا باشا يا عين الصيرة مين قال لك تدبر دي التدبيرة»، وجاء ذلك كرد فعل على قسوة الأتراك وتعاملهم الفظّ مع المصريين كعبيد. أطلق المصريون “قفشاتهم” اللاذعة التي نالت من المحتل الفرنسي والتي كانت تنال من خلاعة ومجون جنود الاحتلال، فانزعج نابليون بونابرت من سخرية المصريين، فأمر أتباعه بإلقاء القبض على من يطلق النكات على الفرنسيين، لتكون النكتة لأول مرة في التاريخ جريمة يعاقب من يرتكبها بالقتل أو الضرب. وأثناء الاحتلال الإنكليزي عندما ظهرت نوعية جديدة من المقاهي أطلق عليها المصريون «المضحكانة الكبرى»، حيث يجلس روادها ليطلقوا ضحكاتهم عالياً والتي تنال من المحتل البريطاني وطريقته الخشنة في التعامل، فقامت السلطات الإنكليزية لأكثر من مرة بإغلاق المضحكانات.

أبدع المصريون في كيفية تفجير النكتة السياسية، فالمصري تبدأ ثورته عندما تعجز الفكاهة عن تحمل الواقع، فعندما يتوقف المصريون عن التنكيت فهذا نذير غضب سوف ينفجر سريعاً، وهذا ما حدث وقت حكم “الإخوان”، بدا وكأن المصري يفقد سلاح مقاومته للواقع وعجزت كل الضحكات أن تجعله يصبر على قسوة ومرارة الواقع الذي كان يعيشه فخرج ليطيح بهم ويستعيد مصيره، ويستعيد قدرته على الضحك كسلاح لا يسقط من يد المصري على مر العصور.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

«الإخوان المسلمين» في الخليج من الإيواء إلى التمرد

26octعبد اللطيف المناوي

انتقد صديق سعودي أسلوب تعامل وسائل الإعلام المصرية مع “الإخوان المسلمين”، لافتاً النظر إلى محدودية تعاملها مع التطورات الحالية، وعدم تأصيل الأفعال المنسوبة للإخوان بتاريخها المحقق، الأهم أنه ذكرني بموقف الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية السعودي الراحل، الذي قال منذ ما يقرب من أحد عشر عاماً إن “الإخوان المسلمين” هم “أصل البلاء”، أرسل إلي صديقي تصريحات الأمير نايف التي يظن أن التذكير بها واستخدامها في هذه المرحلة مهم، لتأكيد الكشف المبكر عن خطورة “الإخوان” في البنية السياسية والاجتماعية والفكرية في مجتمعات الخليج.

ويذكر الأمير نايف في تصريحاته التي أشير إليها “من دون تردد أقولها إن مشكلاتنا وإفرازاتنا كلها جاءت من الإخوان المسلمين”، وأضاف: “الإخوان لما اشتدت عليهم الأمور، وعلقت لهم المشانق في دولهم، لجأوا إلى المملكة فتحملتهم وصانتهم وجعلتهم آمنين، وإخواننا في الدول العربية الأخرى قبلوا هذا الوضع، لكن بعد بقائهم سنوات بين ظهرانينا، وجدنا أنهم يطلبون العمل، فأوجدنا لهم السبل، ففيهم مدرسون وعمداء، فتحنا أمامهم أبواب المدارس والجامعات، لكن للأسف لم ينسوا ارتباطاتهم السابقة، فأخذوا يجندون الناس، وينشؤون التيارات، وأصبحوا ضد المملكة!”.

ولم ينس أن يذكر بموقف “الإخوان المسلمين” المناور في بداية غزو العراق للكويت، والكشف عن أنفسهم عندما أصدروا بيانا، لدى زيارتهم بغداد، يؤيد الغزو العراقي.

تجربة “الإخوان” في دول الخليج تبدو متشابهة إلى حد كبير، في العهد الناصري هاجر “الإخوان” من مصر بعد صدامهم مع النظام ومحاولاتهم القفز على الحكم والانقلاب عليه، وتوسّط الملك سعود عند جمال عبدالناصر في أزمة “الإخوان” الأولى، واستجيب له نسبيا، لكن “الإخوان” عادوا إلى محاولاتهم الانقلابية فعاد الصدام من جديد.

وجد أعضاء الجماعة الهاربون في الدول التي هربوا إليها سماء آمنة فنشروا وانتشروا، واستطاعوا التواجد خاصة في منطقتي التعليم والاقتصاد، سيطر المنتمون للإخوان المسلمين على المناحي التعليمية في الجامعات، تحديداً في عقدي السبعينيات والثمانينيات، وكذلك على العديد من المنابر الإعلامية ومنابر الدعوة.

انتشر أعضاء الجماعة وكونوا تنظيمهم وشعبهم تحت أعين الحكومات الخليجية في معظم الأحيان، ولم يدركوا وقتها أنهم يربون ثعباناً داخل ثيابهم، اعتقدوا أن مزيجاً من الدعم والاستيعاب يمكن أن يضمن لهم مناخاً مستقراً، لم يدركوا وقتها أنهم يحولون الخليج إلى منطقة تمركز وانطلاق جديدة لتنفيذ مخططاتهم.

بعد الصفقة السياسية في عهد السادات مع “الإخوان” زار الهضيبي السعودية، وعقد عام 1971 اجتماعاً موسعاً للإخوان، تَشكّلت فيه ملامح التنظيم الإقليمي، الذي ضم إخواناً آخرين من البحرين والإمارات والكويت، ورغم هذا التوسع الجغرافي في التنظيم اعتقد عديدون أن دور الإخوان الخليجيين لم يزد على جباية الأموال، لكن الحقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين الخليجية لم تعد تلك التي تجمع التبرعات والصدقات في الشوارع العامة والجوامع والمساجد، ولا يقتصر عملها على كفالة الأرامل والأيتام، لكن اليوم أصبحت ذراعاً سياسياً واقتصادياً للجماعة الأم في مصر، والأخطر أنها تبنت الفكر الانقلابي في دول مجلس التعاون، كما صرح وزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان.

جماعة الإخوان المسلمين في الخليج العربي لها ارتباط بالتنظيم الأم في مصر، وتحمل نفس الفكر الانقلابي في مصر، ويتعجب البعض من الارتباط العضوي مع الجماعة الأم والتنظيم الرئيسي، فجماعة الإخوان المسلمين تحمل نفس الفكر للتنظيم الرئيسي، بل إن تحركاتهم الأخيرة في المنطقة بلغت الخطوط الحمراء إلى درجة التحذير العلني من قبل وزير خارجية الإمارات، ويعد إلقاء القبض في الإمارات على شبكة انقلابية إخوانية تسعى للإطاحة بالحكومات الخليجية دليلاً قاطعاً على نوايا “الإخوان” تجاه من أواهم عندما كانوا مطاردين.

يحكي الأمير نايف، في حديثه الذي أشرت إليه في البداية، عن قصة لرجل دون تسمية صاحبها: “أذكر أن أحد الإخوان البارزين تجنس بالجنسية السعودية، وعاش في المملكة 40 عاماً، ولما سئل عن مثله الأعلى، قال: مثلي الأعلى هو حسن البنا”.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

صاحب اللحية الملوثة

19octعبد اللطيف المناوي

الشَّيْخُ: من أدرك الشيخوخةَ، وهي غالباً عند الخمسين، وهو فوق الكهل ودون الهرم.

هكذا عرّف المعجم الوسيط كلمة الشيخ، لذا لن أشعر بانزعاج نفسي عندما أُسبق يوسف القرضاوي بالشيخ، فتخطي سن الخمسين يعطي لكل شخص الحق في أن يوصف بالشيخ، ولكن ليس كل من يحمل وصف الشيخ يحظى بحصانة أو احترام.

ترددت كثيراً قبل أن أكتب عن القرضاوي الشيخ القطري الذي كان يحمل الجنسية المصرية، ولكنه فضّل عليها أخرى أعطته جواز سفر يدخل به بلده السابق مصر، لاحظت مبكراً ذلك النهم لديه للعودة للانتقام والاستحواذ، أذكر عندما حملته أيادٍ خفية ليؤم الصلاة في ميدان التحرير في الجمعة التالية لسقوط نظام مبارك، لم يكن ذلك مفهوماً وقتها، كيف ولماذا أتى هذا الرجل ليقفز فوق رؤوس وأكتاف المتظاهرين التلقائيين والمدسوسين والمنظمين، ولكن الأمر أظنه بات مفهوماً الآن، وبعد ذلك ازدادت زياراته لمصر بلده السابق، وحرص على أن يكون في مقدمة الصورة دائماً وحمل مهمة الترويج لفكر التنظيم الذي ينتمي إليه، وتم تكليفه من أطراف غير معلومة حتى الآن للقيام بهذا الدور، وقد يكون من المناسب هنا التذكير بأنه هو من قام بمهمة حل شعبة “الإخوان” في قطر ووقف نشاطها في قطر مقابل ضمان الدعم الكامل للجماعة على مستوى العالم وهذا موضوع آخر له حديث آخر.

ظل القرضاوي يحوم حول الأزهر المؤسسة الأهم في العالم الإسلامي وترددت شائعات وقتها عن أنه يتم الإعداد لتحقيق حلمه بالقفز والاستيلاء على منصب الإمام الأكبر الذي يشغله العالم الفاضل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، وبعدما اختطف مرسي منصب الرئاسة فُتِحت الأبواب أمام الشيخ القطري وبات ضيفاً دائماً ثقيلاً على قلوب المصريين الذين يدركون حقيقته والذين كانوا يزدادون يوما بعد يوم، كان يطل من خلال اللقاءات التليفزيونية التي أجاد الأداء فيها، لكن الذي كان أكثر إيلاماً هو احتلاله لمنبر الجامع الأزهر بوضع اليد، ففي تلك الفترة لم يكن لأحد الحق في أن يعترض على سادة الأمر الذين أمسكوا بتلابيب البلاد من جماعة “الإخوان”، لذلك اعتاد الشيخ القطري أن يخطب الجمعة عدة مرات من فوق منبر الأزهر داعياً الناس إلى تأييد “الإخوان” ومشروعهم الذي كان يحمل اسم “النهضة” ولم يرَ المصريون منه إلا الخراب.

لم يتحمل القرضاوي، مثله مثل كثيرين من أمثاله، صدمة يقظة المصريين وإطاحتهم بالإخوان من الحكم، بمن فيهم ممثلهم في قصر الرئاسة محمد مرسي، وأصابته ثورة المصريين بمزيج من الصدمة والغضب والارتباك وعدم القدرة على السيطرة على النفس أو الألفاظ والأفعال، وبدا ذلك واضحاً من خلال تخبطه وتصريحاته الغاضبة، والتي تجاوز فيها في اللفظ والموقف تجاه شعبه السابق وبلده الذي كان ينتمي إليه، ولم يسلم من تجاوزاته الإمام الأكبر الذي يتميز بعفة اللسان والتسامح فلم يرد على تجاوزاته اللفظية وهجومه الشخصي ورفض مجرد مناقشة فكرة طرده من هيئة علماء الأزهر، أيضاً لم يسلم منه الدكتور علي جمعة مفتي مصر السابق الذي وصل القرضاوي في تجاوزاته اللفظية تجاهه إلى مستوى مفاجئ للجميع، حيث وصفه بأنه صاحب فتاوى سامة وتعليمات مشبوهة وأحكام مسيسة ووصف وجه دكتور علي جمعة بالقبيح، وقوله بالأحمق وفعله بالأرعن.

ولكي أكون غير متجنٍّ على الشيخ سناً فإنني هنا أشير سريعاً إلى نماذج جديرة بأن تدرس لتجاوزات الرجل الذي يفترض أن دوره أن يتصدى لإرشاد الناس، ولكنها هنا تدرس كنماذج ينبغي معرفتها لتجنبها، في مقال له تحت عنوان “وقفات مع شيخ الأزهر وقضية الانقلاب على الشرعية” يقول: إنه “كان ينبغي ألا تلوث عمامة الأزهر، ولحية شيخه، بمساندة هؤلاء، الذين أثبتت الأيام القليلة الماضية فساد طوياتهم، وسوء مكرهم، وظمأهم نحو السلطة، وسعيهم إلى سدة الحكم عبر دماء الشهداء، وأشلاء الأحرار”، وفي موضع آخر قال إن “الفساد تفشى في مختلف المؤسسات المصرية، وفي مقدمتها الأزهر”.

هذا قليل من كثير من تجاوزات القرضاوي المستمرة تجاه الأزهر، الأمر الذي دفع مصادر في هيئة كبار علماء الأزهر، التي يشغل القرضاوي عضويتها، إلى وصف تعبيراته التي وردت على موقعه على الإنترنت، بأنها أثارت استياء الكثير من هيئة كبار العلماء، بينما اكتفى الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق بالتعليق بقوله إن “كل ما يقوله القرضاوي ليس من الإسلام في شيء”، مشيراً إلى أن القرضاوي، (87 عاماً)، أصبح غير مسؤول عما يصدر منه الآن، ومن جانبها، رفضت مشيخة الأزهر التعليق رسمياً على كلام القرضاوي، بقولها: “الأزهر وشيخه أكبر من أن يردا على مثل هذا الكلام”.

الجديد الذي خرج به الشيخ القطري هو هجومه المخزي على الجيش المصري والتحريض عليه، مما دفع بعض المواطنين إلى تقديم بلاغ إلى النائب العام المصري يتهمونه فيه بالتحريض على الجنود المصريين، وقد وصف الجيش المصري بالمتخازل والمهزوم، قائلاً: “إن الجيش المصري انهزم في ثلاث حروب 1948 و1967 و1956، وانتصر في حرب واحدة فقط، وهي 1973” وقبلها بأيام طالب الجنود المصريين بعدم الانصياع لأوامر الضباط.

لقد اختزل الشيخ الإسلام في “الإخوان المسلمين”، وقال إن من يهاجم “الإخوان” هو عدو الإسلام، وقبل، وهو في عمره هذا، أن يتحول إلى أداة لتحقيق أهداف الجماعة التي في ما يبدو لم يخضع فيها لمبدأ السمع والطاعة، ويفقد الرجل يوماً بعد يوم احترام جزء جديد ممن يكتشفون حقيقة مواقفه.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

قرار أميركي يتطلب موقفاً عربياً جديداً

20octعبد اللطيف المناوي

في العاصمة البريطانية، وفي عشاء محدود، سألت السياسي المخضرم -لست في حل من ذكر اسمه- كيف تدير مصر علاقاتها مع أميركا؟ أجابني وهو القريب من الدائرة الصغيرة لصناعة القرار هناك: “استمروا في خارطة الطريق التي أعلنت مؤخراً، ولا تلتفتوا إلى أي إجراء. ليس هناك أحد ضد مصر في أميركا”. بعدها بيومين صدر قرار الولايات المتحدة الأميركية بتعليق المعونة العسكرية جزئياً عن مصر.

وعلق وزير الخارجية الأميركي جون كيري بقوله: “هذا ليس بأي حال انسحاباً من علاقتنا أو إنهاء لالتزامنا الجاد بمساعدة الحكومة”. ومثل هذا التعليق يؤدي إلى ردود فعل غاضبة لدى المصريين ومتجاوزة في أغلب الأحيان، ولكن جميعها يصب في المعنى الذي حملته بعض الصحف في عناوينها تعليقاً على القرار الأميركي “فلتذهب المعونة الأميركية إلى الجحيم”، وهذا هو أكثر التعبيرات تهذيباً في هذه الأجواء الغاضبة المسيطرة على نفوس المصريين من الموقف الأميركي الصادم للإرادة الشعبية التي تجلت عدة مرات منذ ثورة الثلاثين من يونيو. قد يبدو كلام السياسي الأميركي على العشاء صحيحاً في نصيحته بالاستمرار والمضي قدماً دون التفات، ولكني أظنه كان مجاملاً أو غير مدرك عندما أكد أنه ليس هناك أحد ضد مصر، فالأكيد أن هناك مجموعة مؤثرة قد يكون على رأسها أوباما شخصياً الذي بشر منذ فترة عقب سقوط حليفهم السابق مرسي أن العلاقات المصرية الأميركية لن تعود إلى طبيعتها مرة أخرى.

لقد أدارت أميركا ظهرها للمصريين، كما قال الفريق عبدالفتاح السيسي. لم يستطع المصريون فهم موقف الإدارة الأميركية المصر على الإبقاء على دور جماعة الإخوان في النظام السياسي المصري رغم ما تعرضت له مصر والشعب المصري من عنف وإرهاب على يد الجماعة الذي بلغ حد إحراق مصر من خلال الاعتصامات المسلحة، وتدمير المؤسسات والمنشآت الرسمية والمدنية، وحرق الكنائس، وتدمير المستشفيات، والجامعات، والمتاحف، وخلق حالة من الإرهاب المنظم الذي يستهدف إنهاك الدولة ثم إسقاطها، كما قال أحد قيادات الإسلاميين نصاً. بدا أمام المصريين أن أميركا تدير حرباً ضد مصر تحت المسمى الفضفاض للديمقراطية، واتبعت لتحقيق ذلك محورين أساسيين، أولهما تعليق المساعدات العسكرية عن مصر جزئياً، والثاني من خلال دعم جماعات الإرهاب والتطرف والعنف المسلح في الاستمرار في استنزاف الاقتصاد المصري ومواجهة الجيش والشرطة في الشوارع، وتدمير الموارد الاقتصادية الأساسية للدولة المصرية.

لم تستطع الإدارة الأميركية أو متخذ هذا القرار أن يدرك طبيعة وأهمية هذه العلاقة بين البلدين التي بدأت منذ القرن التاسع عشر وقت توقيع المعاهدة الأميركية – التركية التجارية في 7 مايو 1830. وبعدها بدأت العلاقات رسمياً بفتح قنصلية للولايات المتحدة في عام 1832. أما العلاقات العسكرية بين مصر والولايات المتحدة الأميركية فقد بدأت منذ عام 1976، وما لبثت هذه العلاقات أن تطورت حتى أصبحت مصر تحتل المركز الثاني في قائمة الدول التي تتلقى معونات عسكرية أميركية بعد التوصل إلى اتفاق بين البلدين يتم بمقتضاه تنفيذ خطة تطوير القوات المسلحة المصرية، والذي أصبحت مصر بموجبه من بين الدول التي تستطيع الحصول على قروض أميركية لشراء سلاح أميركي، وهي القروض المعروفة باسم قروض المبيعات العسكرية الأجنبية. وتقدم الولايات المتحدة مساعدات سنوية لمصر قدرها نحو 1.55 مليار دولار، من بينها 1.3 مليار دولار للجيش، وذلك قبل صدور قرارها المستفز الأخير.

هل ستستسلم مصر لهذا القرار؟ هل ستحاول استرضاء أوباما ومن حوله؟ أظن أن الإجابة حاسمة في هذه المرحلة، فمصر لم تعد كما اعتاد عليها الأميركيون سنوات طويلة. الرغبة في التحدي والقدرة عليه باتتا في أوجهما، لذلك كان رد الفعل الرسمي الحاد الذي وصف القرار الأميركي بأنه غير صائب من حيث المضمون والتوقيت، وأشار بوضوح إلى أن مصر سوف تعمل على ضمان تأمين “احتياجاتها الحيوية” بشكل متواصل ومنتظم، خاصة فيما يتعلق بأمنها القومي. وهو ما اعتبره مراقبون إشارة واضحة إلى إمكانية اللجوء إلى توفير الاحتياجات والسلاح من مصادر بديلة للولايات المتحدة الأميركية. وفي نفس السياق أعلن مصدر عسكري مسؤول أنه في حال قطع المعونة العسكرية الأميركية بشكل نهائي فإن القوات المسلحة ستفتح تعاملاتها مع جميع دول العالم، وخاصة القوى الكبرى فيما يتعلق بالتسلح وقطع الغيار والتصنيع.

رب ضارة نافعة، فمثل هذا القرار يجعل مصر تعيد النظر والتقييم في فكرة الاعتماد على قوة دولية واحدة، وأن تكون مستعده للتخلي عن المساعدات الأميركية، ومن ثم سيكون عليها أن تعدد اختياراتها ومصادرها وبشكل خاص في السلاح، وهنا تبرز قوى مثل الصين وروسيا والهند.

النقطة المهمة الأخرى، أن أحداث ما بعد 3 يوليو، وما تعرضت له مصر من تراجع تعاون قوى دولية مثل الولايات المتحدة والغرب، معها، أثبتا أن بعض الدول العربية ستظل الظهير الحقيقي لمصر، وهذا هو الوقت المثالي لاتخاذ خطوات جادة نحو إعادة بناء وهيكلة العلاقات المصرية العربية، ودعم وتماسك الموقف العربي إقليمياً ودولياً، والبدء بوضع أسس لمحور عربي مهم يبدأ بالكويت والسعودية والإمارات.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

الطيار محمد حسني مبارك

5octعبد اللطيف المناوي

قد يختلف البعض حول تقييم الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، لكن من الظلم والتجاوز أن نقلل من قيمة ودور الطيار محمد حسني مبارك. هذه حقيقة لو آمنّا بها لكانت علامة مهمة وواضحة على أن المجتمع في طريقه إلى الارتقاء إلى مستويات أعلى في التعامل مع أبنائه، لم أنسَ أبداً تعليق أحد الأصدقاء الإنكليز أثناء مرحلة “تجريس” مبارك ومحاكمته ونقله من بيته إلى المستشفى، ومنه إلى القفص الذي بني له خاصةً، تحت إشراف الوزير المختص وقتها، ثم إلى السجن، عندئذ تساءل صديقي متعجباً: “ألم يحارب مبارك يوماً مع الجيش؟”، فأجبته: بل شارك في ثلاث حروب منذ حرب السويس عام 1956 ثم حرب يونيو 1967 ثم أخيراً حرب أكتوبر 1973 التي تعد بحق الانتصار الأهم في تاريخ العرب، تعجّب الرجل مما يتعرض له مبارك من مهانة، قائلاً: “لو أنه في بلادنا لكان الوضع مختلفاً، هذا رجل حارب ووضع روحه على كفه، ليس مرة ولكن مرات، وهذا له قيمة كبيرة أن تكون محارباً من أجل بلدك”.

لم تكن محاكمة الرئيس الأسبق هي أكثر التصرفات قسوة ضده، ولكنني أعتقد أنها اللحظة التي قرروا فيها سحب كل النياشين والقلادات والأوسمة التي حصل عليها، أظن أن إحساسه بنزع نجمة سيناء منه كان أكثر الأحاسيس قسوة على نفسه، يعتقد العديد -وأنا من بينهم- أن حساب السياسي على الأخطاء مكانه الفعل السياسي وحكم التاريخ، والفعل السياسي هنا يمكن تنفيذه من خلال أدوات التغيير الديمقراطية أو من خلال التظاهر ضده أو العصيان المدني أو خلعه من السلطة أو حتى الانقلاب عليه، لكن لا أتفق على أن من بين أساليب المحاسبة والعقاب لما يعتقد أنه أخطاء سياسية استخدام أدوات العدالة لتوقيع عقاب انتقامي تحت مسميات مختلفة، لكنها جميعاً تنتهي إلى اتباع سلوك غير حضاري لتحقيق الانتقام وشفاء الغليل.

حكم مبارك مصر ثلاثين عاماً، هناك من اعتبرها ثلاثة عقود من الظلام والديكتاتورية وامتهان الكرامة الإنسانية وسنوات من النهب والفساد والتراجع وكل التعبيرات المرادفة لهذه المعاني، وهناك على طرف آخر، وهم قطاع كبير، من يعتقد أن الرجل أصاب وأخطأ، وحاول فأصاب النجاح مرات وخاصمه مرات أخرى، ويعتقد هؤلاء أن مبارك لو كان قرر الانسحاب من الحياة العامة عقب وفاة حفيده والجراحة الكبيرة التي أجريت له لكان قد سطر اسمه في التاريخ بحروف أبدية، ولكان صاحب موقع متميز في نفوس المصريين، طرف ثالث من المؤمنين بمبارك ومن يطلقون على أنفسهم “أبناء مبارك” هؤلاء لا يجدون في رئيسهم إلا كل الصواب، وعزز موقفهم في ما بعد الأسلوب الذي حكم به “الإخوان المسلمين” فعاد قطاع كبير من الجماهير يتمنى عودة مبارك.

إذاً، كما نرى هناك اختلاف مفهوم على تقييم دور مبارك، أما ما لم يكن مفهوماً فقد كان هذا الهجوم الكاسح والمتجاوز ليس على مبارك الرئيس بل على مبارك الطيار المقاتل، فخرج البعض يسفه من دوره في حرب أكتوبر، بل وصل الأمر بالبعض إلى أن يسفه دور الطيران المصري في الحرب، ويدّعي أن كل ما ذكر عن دور سلاح الطيران كان من قبيل المبالغة والنفاق لقائدهم الذي أصبح رئيساً لمصر، وهذا الموقف كان تعبيراً عن انحدار ملموس في نفسية قطاع من المصريين أعماهم الغضب والرغبة في التشفي والانتقام عن أن ترى الأمور في صورتها وحدودها، بل قادتهم هذه المشاعر السلبية لأن يتجهوا إلى نزع القيمة عن جزء ناصع من تاريخهم وتاريخ وطنهم هو ذلك الدور المحوري والأساسي والشجاع لسلاح الطيران المصري في حرب أكتوبر.

كان الله حليماً بحسني مبارك أن أعطاه الفرصة ليرى جزءاً من رد الاعتبار إليه، بعد أن عانى ما عانى خلال الأشهر الطويلة التي أعقبت سقوط نظامه في فبراير 2011، فأتت الذكرى الأربعون لنصر أكتوبر وهو غير مدان بأي تهمة بعد، بل والأهم أن يبدأ الحديث مرة أخرى عن دور سلاح الطيران وأن يخدمه القدر لتخرج إلى النور مذكراته التي كتبها وهو يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية حول دور الطيران الذي كان هو قائده في حرب أكتوبر لتُظهر معدنه الحقيقي كقائد عسكري وطيار مقاتل حارب من أجل بلده حاملاً روحه على كفه، أظن أن مبارك الطيار المقاتل قد يكون من أكثر الناس سعادة هذه الأيام وهو يحتفل بذكرى نصر أكتوبر الذي كان له ولزملائه فيه دور مهم لن يغفله التاريخ حتى لو بدا الأمر مختلفاً في بعض الأحيان.

التحق الشاب محمد حسني مبارك بالكلية الحربية عام 1947 وتخرج فيها عام 1949، وفي عام 1950 تخرج في الكلية الجوية. وشارك في حرب 1967 ثم قرر الرئيس عبدالناصر تعيينه مديراً للكلية الجوية في نوفمبر 1967، ثم قرر في يونيو 1969 تعيينه رئيساً لأركان حرب القوات الجوية، وأصدر الرئيس أنور السادات في 23 أبريل 1972 قراراً بتعيين اللواء حسني مبارك قائداً للقوات الجوية، ثم بعد ذلك نائباً لوزير الحربية (الدفاع) إلى جانب مهمته كقائد للقوات الجوية، وكانت المهمة واضحة: إعداد القوات الجوية لحرب تحرير كبرى تستعيد التراب الوطني، وتمحو ما لصق بالقوات الجوية المصرية من عار الهزيمة في 1967.

وفي الساعة الثانية من بعد ظهر السادس من أكتوبر منذ أربعين سنة انطلقت 222 طائرة تعبر قناة السويس، وفي الساعة الثانية و45 دقيقة دق جرس الهاتف في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة (مركز رقم 10) وجاء نص المكالمة كالتالي: (تمام القوات الجوية… المهمة تم تنفيذها بالكامل في أوقاتها المحددة… عادت جميع طائراتنا عدا طائرة واحدة استشهد قائدها)، كان هذا نص المكالمة التي أجراها اللواء حسني مبارك الطيار المقاتل.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

مَن الخائن القرار أم السلوك؟

28sepعبد اللطيف المناوي

بصدور قرار محكمة الأمور المستعجلة بعابدين في القاهرة الأسبوع الماضي بحظر جمعية الإخوان المسلمين، والجماعة المنبثقة عنها، وجميع أنشطتها، والتحفظ على أموالها، في الدعوى المقامة من حزب التجمع، أصبحت ثالث مفارقة لحل الجماعة على مدار تاريخها.

رد فعل قادة الجماعة على قرار حلها وحظرها لم يختلف عن رد فعل أعضائها على قرار الحظر الأول، وصف بعضهم القرار بأنه حرب على الإسلام والمسلمين، وأنه موجه إلى الدعوة الإسلامية، وكأن الإسلام أصبح حكراً على جماعتهم. بعد قرار الحل الأول عام 1948 اعتبروه أيضاً حرباً على الإسلام، واعتداء على الدين، واعتداء على شرع الله، كما أنهم رأوا أن قرار حل «الإخوان» لا يصدر عن مؤمن، واعتبروه «قراراً خائناً أصدرته جهات خائنة». وكان هذا مقدمة لاغتيال رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت كما سأبين.

سأتوقف سريعاً عند قصتي حظر الجماعة، مع بعض التركيز على ملابسات القرار الأول في هذه المرة، لمحاولة خلق حالة مقارنة بين سلوك الأمس وسلوك اليوم لجماعة ادّعت دائماً أنها دعوية.

كان عام 1948 عام الكوارث على الإخوان المسلمين، في السابع والعشرين من فبراير وقع انقلاب على نظام الحكم في اليمن اغتيل فيه الإمام يحيى حميد الدين حاكم اليمن على يد المعارضة بزعامة عبدالله الوزيري، وكان لحسن البنا وللجماعة دور كبير في هذا الانقلاب بالتعاون مع البدر حفيد الإمام يحيى، لإعداد اليمن ليكون أولى دول الخلافة، ولكن الانقلاب لم يدم أكثر من ستة وعشرين يوماً فقط، فكان ذلك بداية التوتر بين ملك مصر وحكومتها من جانب وجماعة الإخوان المسلمين ورجلها الأول حسن البنا «مشروع الخليفة وقتها» من جانب آخر. وفي الثاني والعشرين من مارس من نفس العام (1948) قام التنظيم السري للجماعة باغتيال القاضي أحمد بك الخازندار على يد اثنين من الإخوان، بعدما حكم في قضية كان أحد أطرافها عضواً في الجماعة. وخرج حسن البنا في لقاء الثلاثاء، وهو يوم لقائه بالجماعة من كل أسبوع ليخطب، وأنكر قيام الجماعة باغتيال القاضي أحمد الخازندار إلى أن أثبتت التهمة وثبت كذبه، وتم الحكم على الفاعلين بعد خمسة أشهر.

وفي الخامس عشر من نوفمبر من نفس العام (1948) أمسكت الشرطة سيارة جيب بها مستندات تخص جماعة الإخوان المسلمين عبارة عن مخططات تفجير سفارتي أميركا وبريطانيا وأماكن أخرى، ومستندات كل عمليات التفجير التي تمت في الآونة الأخيرة، فضلاً عن بعض القنابل والمتفجرات. والأهم من ذلك القبض على ثلاثة من رجال الإخوان، كان أهمهم مصطفى مشهور أحد الخمسة المؤسسين والمسؤولين عن التنظيم السري.

وفي الرابع من ديسمبر من نفس العام جرت تظاهرة بكلية الطب بجامعة فؤاد (القاهرة)، فقاد اللواء سليم زكي -حكيمدار شرطة القاهرة- قوات الأمن لفض التظاهرة، وإذا بطالب ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين يلقي عليه قنبلة من الطابق الرابع فسقطت أمامه فمات على الفور. اشتعل الموقف بعد هذا الحادث بين الحكومة السعدية والإخوان، مما دعا حسن البنا إلى أن يطلب من رئيس مجلس النواب حامد جودة في نفس اليوم التوسط لدى محمود النقراشي باشا رئيس الوزراء، لبدء صفحة جديدة بين الجماعة والوزارة، لكن جودة رفض مطلبه. حاول البنا الاتصال بالملك فاروق أو بإبراهيم عبدالهادي رئيس الديوان الملكي، في محاولة لاحتواء الأزمة، ولكن دون فائدة. وبعد يومين من الحادث صدر الأمر بإغلاق صحيفة الإخوان، وفي نفس اليوم خرجت جريدة الأساس جريدة الحزب الحاكم بعنوان «أخبار سارة ستذاع قريباً».

في الثامن من ديسمبر من نفس العام (1948)، أي بعد يومين آخرين، وبالتحديد في الساعة العاشرة مساءً، اتصل عبدالرحمن عمار وكيل وزارة الداخلية بالمرشد حسن البنا ليبشره أن أخباراً سارة ستذاع في الراديو بعد قليل من شأنها إنقاذ الموقف، فشكره حسن البنا. وتجمع قادة الجماعة ومعظم المنتمين إليها بالمقر العام في الدرب الأحمر بقلب القاهرة، والتفوا جميعاً حول الراديو في انتظار الأخبار التي ستتم إذاعتها. وفي الساعة الحادية عشرة مساء أذاع راديو القاهرة أمر الحاكم العسكري العام رقم 63 لسنة 1948 بحل جماعة الإخوان المسلمين بكل فروعها في البلاد، ومصادرة أموالها وممتلكاتها. بعد أقل من عشر دقائق خرج الإخوان من المقر العام فوجدوا أن المكان قد تم حصاره من جميع الجهات، وأنهم وقعوا في الفخ وتم القبض عليهم جميعاً ما عدا حسن البنا المرشد العام ومؤسس الجماعة.

قرر الإخوان الانتقام من النقراشي باشا رئيس الوزراء رداً على قرار حل الجماعة، والذي رأوا فيه اعتداء على الدين، واعتداء على شرع الله، كما أنهم رأوا أن قرار حل الإخوان لا يصدر عن مؤمن- كما ذكر محمود الصباغ أحد قادة التنظيم السري، وأنهم رأوا أن شخصاً كمثل النقراشي باشا لابد أن يزاح عن الطريق بأي ثمن. وفي صباح يوم الثلاثاء الثامن والعشرين من ديسمبر، أي بعد عشرين يوماً من قرار الحل، وفي بهو وزارة الداخلية، تنكّر شاب من شباب الإخوان المسلمين في زي ضابط وأطلق الرصاص على النقراشي باشا بين أفراد حراسته فأرداه قتيلاً، ودفع ثمن قرار حل الجماعة.

وعقب ثورة 23 يوليو عام 1952، أصدر مجلس قيادة الثورة قراراً بحل جميع الأحزاب السياسية في البلاد، مستثنياً جماعة الإخوان المسلمين، لكونها كانت تقدم نفسها «جماعة دينية دعوية»، حيث قال المرشد العام للجماعة وقتئذ حسن الهضيبي لوزير الداخلية سليمان حافظ، إن «الإخوان جمعية دينية دعوية، وأعضاؤها وتكويناتها وأنصارها لا يعملون في المجال السياسي، ولا يسعون إلى تحقيق أهدافهم عن طريق أسباب الحكم كالانتخابات»، ولكن كالعادة حاولت الجماعة القفز والسيطرة على الحكم، فوقع الصدام بين الرئيس الراحل جمال عبدالناصر و»الإخوان»، عقب محاولة اغتياله في ميدان المنشية بالإسكندرية، فتم حل الجماعة للمرة الثانية في 29 أكتوبر 1954.

واليوم هذا هو قرار الحل الثالث، الاختلاف ان قرار المحكمة هذه المرة يأتي ليقرر ما هو قائم بالفعل، فالجماعة باتت محظورة بقرار شعبي.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

كرداسة

عبد اللطيف المناوي21sep

عندما يسيطر القبح على المشاهد يتراجع الجمال، ولكن يظل كامناً إذا ما كان حقيقياً وأصيلاً، وفي مصر يحاول القبح أن يحكم المدينة، يسعى المنتمون إلى الجزء الطامع في السلطة والانتقام، من الجماعات الإسلامية السياسية والإرهابية منها على وجه التحديد، وفي صدارتها جماعة “الإخوان المسلمين”، يسعى هؤلاء إلى سيادة القبح تحت شعارات ودعاوى تبدو وكأنها حق، ولكن الحقيقة أنها باطل، لكن المطمئن أن مكامن الجمال وطبيعة الشخصية المصرية أصيلة، وأثبت التاريخ أنها لا تضيع أو تتوه خلف موجات القبح حتى وإن بدا أنها توارت.

كرداسة هي آخر المتعرضين لموجة “التقبيح” بسبب سيطرة “الإخوان” وأتباعهم عليها، وما ارتبطت به من أعمال إرهابية، خاصة مذبحة قسم الشرطة يوم الرابع عشر من أغسطس الماضي يوم فضّ اعتصام رابعة عندما توجه البعض إلى القسم وأحرقوا المبنى وقتلوا مأمور القسم وضباطه وعساكره وذبحوهم ومثّلوا بجثثهم في مشهد من الصعب أن ينساه كل من شاهده، وخلال الأيام الأخيرة تمكنت قوات الأمن المصرية من اقتحام المنطقة بعد أن تحولت إلى المعقل الرئيسي للهاربين من الجماعات الإسلامية المصرة على مواجهة الدولة والمجتمع، وساعدهم على ذلك طبيعة كرداسة جغرافياً.

ولكن هل مازالت كرداسة قادرة على تجاوز موجات التقبيح التي تعرضت وتتعرض لها؟ إذا ما نظر أي سائح إلى مصر في ما حمل معه من تذكاراتها ففي الغالب سيجد أحد منتجات كرداسة، ولاسيما بين السياح العرب، فإن هذه المنطقة وهذا الاسم مرتبط لديهم بالنسيج والأقمشة والعبايات والجلاليب والمفارش، هذه هي كرداسة التي يعرفونها، والتي يعرفها التاريخ كمدينة صغيرة قديمة ارتبط اسمها بالنسيج، بل وصل الأمر إلى القول إن النسيج بدأ فيها قبل إقامة القرية!

مركز كرداسة مقره كرداسة، وهي من أكبر مدن محافظة الجيزة بجمهورية مصر العربية، وهي من القرى القديمة في مصر، فقد تطرقت إلى ذكرها في أكثر من موضع المؤلفات التي اهتمت بحصر القرى المصرية مثل القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945م لمؤلفه محمد بك رمزي، كما أتى ذكرها في الخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك بالجزء الخامس عشر، حيث تحدث عن صفاتها، وأن بها أنوالاً لنسيج المقاطع القطنية والأحرمة الصوفية وغير ذلك، فضلاً عن المصابغ والطواحين، وأن لها سوقاً يوم الاثنين تباع فيه المواشي وغيرها، وتزرع فيها الملوخية والبامية قبل وقتهما، الغريب أن هذا السوق مازال قائماً حتى اليوم، ولكن من ذهب إلى كرداسة مؤخراً اكتشف أن السوق بات مدينة خوف ورعب. ولا يعرف أحد على وجه التحديد متى بدأت صناعة النسيج في كرداسة، فهي تكاد تكون من قدم البلدة نفسها، لكن المعروف أن أولى خطوات تطوير هذه الصناعة كانت على يد النائب البرلماني محمود باشا فهمي المكاوي ابن المنطقة، والذي قام بتأسيس الجمعية التعاونية لصناعة النسيج عام 1943، ووصل عدد مصانع النسيج بها إلى حوالي ستمئة مصنع صغير، هي سر حياة المنطقة.

لم يكن النسيج وحده قريناً لاسم كرداسة، ولكنها ارتبطت أيضاً ببعض رموز التشدد في الحركات الإسلامية مثل قرية ناهيا، فهي مسقط رأس عائلة الزمر التي ينتمي طارق وعبود الزمر إليها، فطارق الذي سُجِن بتهمة قتل السادات، يعد الآن من المطلوبين بتهمة التحريض على العنف.

ومع اعتلاء جماعة “الإخوان المسلمين” مقاليد الحكم في البلاد وصعود الرئيس المعزول محمد مرسي إلى قمة السلطة التنفيذية للدولة حيث رئاسة الجمهورية، عادت كرداسة معقلاً لأعضاء جماعة “الإخوان المسلمين” وحاضنة للفكر الديني المتطرف، ولعل الطبيعة الجغرافية لمنطقة كرداسة ساهمت في أن تصبح قرية أبو رواش التابعة لمركز كرداسة إحدى أهم قرى السلاح في مصر ومركزاً للبؤر الإرهابية والعناصر الإجرامية المطلوبة، فللقرية ظهير صحراوي يجعل من السهل الدخول والخروج منها.

وبعد مذبحة قوة التأمين التابعة لقسم مركز شرطة كرداسة يوم 14 أغسطس نشطت الخلايا المتطرفة بها لتمارس عملاً إرهابياً ضد الدولة، وتنتقص من وضعها الأمني لتتحول كرداسة إلى بؤرة تؤوي مطلوبين ومسلحين، وبهذا رفعت كرداسة راية العصيان ودخلت في معركة مصير، حيث “الداخلية” في مصر إما أن تكون أو لا تكون.

(متاريس… حواجز أسمنتية… أسلحة نارية ما بين الآلي و”المتعدد” و”الآر بي جي”… دشم وعوائق معدنية… يظن من يرى ذلك أنه في منطقة حرب، لكن المفاجأة أن ذلك المشهد هو في مركز كرداسة بالجيزة عقب إعلان عدة جماعات إسلامية سيطرتها عليها وإعلانها إمارة إسلامية؛ رداً منها على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة)… هذا هو الوصف الذي قدمه زميل صحافي في تحقيق له عن كرداسة تحت سيطرة “الإخوان” وحلفائهم، وتحولت من جنة للسياحة إلى موطن للمسلحين والمجرمين والهاربين والفضل لهم.

 كرداسة ذلك المركز الذي ذاع صيته واشتهر عالمياً، لكن ليس بمزاراته السياحية بل بمجزرة مؤسفة بكل المقاييس عندما انتزعت الرحمة من قلوب البعض وقاموا باقتحام قسم الشرطة وسحل وقتل المأمور ونائبه ومعاوني المباحث على مرأى ومسمع من الجميع، سيطروا عليه وأرادوه إمارة للقبح والعنف، ولم يكن أمام السلطات المصرية إلا أن تطهر المدينة مما يشوبها، وقد تأخر هذا التدخل كثيراً للحد من الضحايا.

خرج القبح من المدينة، فهل يعود إليها جمال الذكريات التي يحملها كل من زارها، وهو ينظر إلى ألوان نسيجها المفعم بالحياة؟ أتمنى.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

كرداسة

article2عبد اللطيف المناوي

عندما يسيطر القبح على المشاهد يتراجع الجمال، ولكن يظل كامناً إذا ما كان حقيقياً وأصيلاً، وفي مصر يحاول القبح أن يحكم المدينة، يسعى المنتمون إلى الجزء الطامع في السلطة والانتقام، من الجماعات الإسلامية السياسية والإرهابية منها على وجه التحديد، وفي صدارتها جماعة “الإخوان المسلمين”، يسعى هؤلاء إلى سيادة القبح تحت شعارات ودعاوى تبدو وكأنها حق، ولكن الحقيقة أنها باطل، لكن المطمئن أن مكامن الجمال وطبيعة الشخصية المصرية أصيلة، وأثبت التاريخ أنها لا تضيع أو تتوه خلف موجات القبح حتى وإن بدا أنها توارت.

كرداسة هي آخر المتعرضين لموجة “التقبيح” بسبب سيطرة “الإخوان” وأتباعهم عليها، وما ارتبطت به من أعمال إرهابية، خاصة مذبحة قسم الشرطة يوم الرابع عشر من أغسطس الماضي يوم فضّ اعتصام رابعة عندما توجه البعض إلى القسم وأحرقوا المبنى وقتلوا مأمور القسم وضباطه وعساكره وذبحوهم ومثّلوا بجثثهم في مشهد من الصعب أن ينساه كل من شاهده، وخلال الأيام الأخيرة تمكنت قوات الأمن المصرية من اقتحام المنطقة بعد أن تحولت إلى المعقل الرئيسي للهاربين من الجماعات الإسلامية المصرة على مواجهة الدولة والمجتمع، وساعدهم على ذلك طبيعة كرداسة جغرافياً.

ولكن هل مازالت كرداسة قادرة على تجاوز موجات التقبيح التي تعرضت وتتعرض لها؟ إذا ما نظر أي سائح إلى مصر في ما حمل معه من تذكاراتها ففي الغالب سيجد أحد منتجات كرداسة، ولاسيما بين السياح العرب، فإن هذه المنطقة وهذا الاسم مرتبط لديهم بالنسيج والأقمشة والعبايات والجلاليب والمفارش، هذه هي كرداسة التي يعرفونها، والتي يعرفها التاريخ كمدينة صغيرة قديمة ارتبط اسمها بالنسيج، بل وصل الأمر إلى القول إن النسيج بدأ فيها قبل إقامة القرية!

مركز كرداسة مقره كرداسة، وهي من أكبر مدن محافظة الجيزة بجمهورية مصر العربية، وهي من القرى القديمة في مصر، فقد تطرقت إلى ذكرها في أكثر من موضع المؤلفات التي اهتمت بحصر القرى المصرية مثل القاموس الجغرافي للبلاد المصرية من عهد قدماء المصريين إلى سنة 1945م لمؤلفه محمد بك رمزي، كما أتى ذكرها في الخطط التوفيقية لعلي باشا مبارك بالجزء الخامس عشر، حيث تحدث عن صفاتها، وأن بها أنوالاً لنسيج المقاطع القطنية والأحرمة الصوفية وغير ذلك، فضلاً عن المصابغ والطواحين، وأن لها سوقاً يوم الاثنين تباع فيه المواشي وغيرها، وتزرع فيها الملوخية والبامية قبل وقتهما، الغريب أن هذا السوق مازال قائماً حتى اليوم، ولكن من ذهب إلى كرداسة مؤخراً اكتشف أن السوق بات مدينة خوف ورعب. ولا يعرف أحد على وجه التحديد متى بدأت صناعة النسيج في كرداسة، فهي تكاد تكون من قدم البلدة نفسها، لكن المعروف أن أولى خطوات تطوير هذه الصناعة كانت على يد النائب البرلماني محمود باشا فهمي المكاوي ابن المنطقة، والذي قام بتأسيس الجمعية التعاونية لصناعة النسيج عام 1943، ووصل عدد مصانع النسيج بها إلى حوالي ستمئة مصنع صغير، هي سر حياة المنطقة.

لم يكن النسيج وحده قريناً لاسم كرداسة، ولكنها ارتبطت أيضاً ببعض رموز التشدد في الحركات الإسلامية مثل قرية ناهيا، فهي مسقط رأس عائلة الزمر التي ينتمي طارق وعبود الزمر إليها، فطارق الذي سُجِن بتهمة قتل السادات، يعد الآن من المطلوبين بتهمة التحريض على العنف.

ومع اعتلاء جماعة “الإخوان المسلمين” مقاليد الحكم في البلاد وصعود الرئيس المعزول محمد مرسي إلى قمة السلطة التنفيذية للدولة حيث رئاسة الجمهورية، عادت كرداسة معقلاً لأعضاء جماعة “الإخوان المسلمين” وحاضنة للفكر الديني المتطرف، ولعل الطبيعة الجغرافية لمنطقة كرداسة ساهمت في أن تصبح قرية أبو رواش التابعة لمركز كرداسة إحدى أهم قرى السلاح في مصر ومركزاً للبؤر الإرهابية والعناصر الإجرامية المطلوبة، فللقرية ظهير صحراوي يجعل من السهل الدخول والخروج منها.

وبعد مذبحة قوة التأمين التابعة لقسم مركز شرطة كرداسة يوم 14 أغسطس نشطت الخلايا المتطرفة بها لتمارس عملاً إرهابياً ضد الدولة، وتنتقص من وضعها الأمني لتتحول كرداسة إلى بؤرة تؤوي مطلوبين ومسلحين، وبهذا رفعت كرداسة راية العصيان ودخلت في معركة مصير، حيث “الداخلية” في مصر إما أن تكون أو لا تكون.

(متاريس… حواجز أسمنتية… أسلحة نارية ما بين الآلي و”المتعدد” و”الآر بي جي”… دشم وعوائق معدنية… يظن من يرى ذلك أنه في منطقة حرب، لكن المفاجأة أن ذلك المشهد هو في مركز كرداسة بالجيزة عقب إعلان عدة جماعات إسلامية سيطرتها عليها وإعلانها إمارة إسلامية؛ رداً منها على فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة)… هذا هو الوصف الذي قدمه زميل صحافي في تحقيق له عن كرداسة تحت سيطرة “الإخوان” وحلفائهم، وتحولت من جنة للسياحة إلى موطن للمسلحين والمجرمين والهاربين والفضل لهم.

 كرداسة ذلك المركز الذي ذاع صيته واشتهر عالمياً، لكن ليس بمزاراته السياحية بل بمجزرة مؤسفة بكل المقاييس عندما انتزعت الرحمة من قلوب البعض وقاموا باقتحام قسم الشرطة وسحل وقتل المأمور ونائبه ومعاوني المباحث على مرأى ومسمع من الجميع، سيطروا عليه وأرادوه إمارة للقبح والعنف، ولم يكن أمام السلطات المصرية إلا أن تطهر المدينة مما يشوبها، وقد تأخر هذا التدخل كثيراً للحد من الضحايا.

خرج القبح من المدينة، فهل يعود إليها جمال الذكريات التي يحملها كل من زارها، وهو ينظر إلى ألوان نسيجها المفعم بالحياة؟ أتمنى.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة