مهرجان القاهرة.. والقوة الناعمة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تعيش مصر الآن حدثاً أظنه مهماً للغاية، وهو إقامة الدورة الـ٤١ من مهرجان القاهرة السينمائى الدولى، والذى جدد دماءه خلال السنة الماضية والحالية بقيادة شابة للمنتج والسيناريست محمد حفظى، وإدارة فنية للناقد الشاب أحمد شوقى، الذى أكمل ما بدأه الراحل العظيم يوسف شريف رزق الله.

من يَرَ المشهد فى دار الأوبرا المصرية، حيث تقام أغلب فعاليات المهرجان، يدرك مدى الشغف والعشق الذى يكنه آلاف الشباب للسينما الجيدة التى تقدمها إدارة المهرجان هذا العام، والتى تجلت فى فيلم الافتتاح «الأيرلندى» لمارتن سكورسيزى، وعدد آخر من الأعمال الجديدة التى تُعرض لأول مرة فى العالم، وفى منطقة الشرق الأوسط.

من يَرَ المشهد يدرك مدى الأهمية الكبيرة للفن السابع كأحد الروافد المهمة للقوى الناعمة لأى بلد، وهو ما أتمنى أن تدركه الدولة، لما لهذه القوة من تأثير كبير فى العقول والضمائر، والتى تعتبر رأس حربة للدولة فى مكافحة التطرف والإرهاب.

والقوة الناعمة مفهوم صاغه جوزيف ناى من جامعة هارفارد لوصف القدرة على الجذب دون الإكراه أو استخدام القوة كوسيلة للإقناع، والقوة الناعمة أو الليّنة مصطلح سياسى حديث العهد، عرفه الفلاسفة والسياسيون القدماء بعدد من التعابير منها «التأثير والإقناع والثقافة والنموذج».

وتعد الغاية من القوة الناعمة الهيمنة والسيطرة على القدرات والمقومات السياسية للطرف المستهدف، وبمعنى آخر الغزو الثقافى والأيديولوجى، دون أن تظهر هوية الفاعل الحقيقى، ويرى الفيلسوف الفرنسى ميشيل فوكو أن القوة الناعمة تتضمن إجبارًا وإلزامًا غير مباشرين على التغيير، وتعتمد فى ظهورها على القوة الصلبة وتقوم بأعمال تعجز القوة الصلبة عن القيام بها.

ولكن هل القوة الناعمة فى مصر قادرة على إحداث هذا الفارق؟ أعتقد أن الإجابة نعم، وما يحدث فى أيام المهرجان دليل على ذلك.

المشكلة الحقيقية أنه خلال الفترة السابقة تم إغفال دور القوة الناعمة تماما، التى كان الجميع، بمن فيهم الرئيس، يعوّل عليها الكثير فى كثير من الأزمات، لاسيما مكافحة الإرهاب، وغيرها.

عانت القوة الناعمة المصرية فى جذب السياحة خلال الفترة الماضية، وعانت فى تسويق قدرة الدولة على احتواء المستثمرين الأجانب، وفشلت فى عدد من القضايا التى استحوذت على قدر كبير من الاهتمام.

أتمنى من جديد أن تدرك الدولة أهمية تلك القوة، وأن تدعم مثل تلك المهرجانات، وأن تدعم صناعة السينما والنشر والصحافة والمسرح والأدب. أن تدعم ولا تملك، أن ترفع سقف الإبداع، لأن البضاعة الجيدة ستطرد الرديئة فى النهاية.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s