سر أصيلة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

رغم أننى لم أحضر بدايات «ملتقى أصيلة» لكن أستطيع القول إن روح البدايات مازالت حاضرة حسب ما أسمع وأشعر به. مازال صوت محمد بن عيسى يسير بين ضيوفه مصفقاً معلناً بداية جلسة جديدة من جلسات الحوار الحر المستمر منذ 41 عاما.

كان حلم بن عيسى كما قال فى افتتاح الموسم الأول عام 1978 أن يرى مولوده وقد وصل الخامسة والعشرين، ولكن ها هو مازال يستقبل ضيوفه من المثقفين بكافة أطيافهم السياسية والإثنية الأيديولوجية ويفتح لهم باب الحوار الحر فى جلسات يحضرها جميعاً، يمارس فيها دور المحفز وضابط الإيقاع فى ذات الوقت. يمارس كل ذلك بحماس وحب صادق. أحب دوماً أن أطلق عليه بحق أنه شاب فى الثمانين يملك روحاً وإصراراً وحماسة لم تفتر.

بدأ هذا المشروع المهم لإيمانه بأن مستقبل بلدته الصغيرة لن يتغير ما لم يغيره أبناؤها. كانت أصيلة مدينة منسية فى قعر الفقر، فقيرة فى كل شىء فى البنية التحتية، فى كل الخدمات، كلاب وفئران ومخلفات ومجارى ومواسير الصرف الصحى تسيل، والروائح النتنة فى كل مكان، والبؤس فى كل الزوايا. الكهرباء مرة تأتى ومرة لا تأتى. والماء يوزع ملوثاً ساعة فى اليوم.

كان أمامه كابن عائد إلى هذه المدينة بعد 23 عاما فى التعليم والعمل فى الخارج مع الأمم المتحدة ووجدها فى هذا الحال، إما أن يهجرها تطبيقاً للمقولة العربية «أرض الذل تُهجر» أو أن يغيرها. واختار التحدى وترشح لانتخابات البلدية ونجح فيها. وبدأ مشروعه الذى أحيا به بلداً من العدم بفكرة شديدة التميز والتجدد وإيمان منه بأهل بلدته، وأيضاً إيماناً منهم، وقد يكون رهاناً منهم، بصدق رؤية ونية أحد أبنائهم، والأكيد أنهم كسبوا الرهان.

بدأ بن عيسى حلمه من داخل بيته ذى الغرف الثلاث، حيث كان يستخدمه ليقيم فيه بعض ضيوف الملتقى، وينام هو فى المطبخ. بالإضافة إلى «قصر الريسونى» المتداعى، الذى أصبح فيما بعد قصراً للثقافة، يفترشون الأرض ويتزودون بالماء من البئر. كانت مشكلته فى كيفية تدبير الإفطار لهؤلاء الضيوف.

وكان الحل أن يقترض من خاله، وكان لديه دكان صغير، 30 أو 40 درهماً يشترى بها خبزاً مغربياً. ومر بأزمات كثيرة حتى إنه رهن بيته ليستمر التحدى. حتى صارت «أصيلة» البلد والموسم إحدى علامات المغرب، بل والعرب، الثقافية. فمن النادر أن تجد اسما لمثقف عالمى أو عربى لم يكن يوماً مشاركاً فى «أصيلة».

يحكى محمد بن عيسى، الذى أصبح فيما بعد سفيرا لبلاده فى الأمم المتحدة وواشنطن ووزيرا للثقافة ثم للخارجية، عن بدايات التجربة وكيف أشرك أهل مدينته فيها «السكان تقبلوا الفكرة بداية بالرسم على جدران المنازل.

سألونا لماذا يصبغ هؤلاء الفنانون الجداريات؟ قلنا لهم لأن مدينتكم جميلة ويريدونها أن تكون أجمل معكم. فقاموا كلهم يصبغون منازلهم، كانوا يقدمون للفنانين الفطور والغداء. الناس فرحوا أن مدينتهم أصبح لها اعتبار. يقرأون عنها فى الصحف ويشاهدونها على شاشة التليفزيون ويزورها رجال الفكر والإبداع من مختلف أنحاء العالم».

تجربة جديرة بأن تُوثق وأن يتعلم منها الصادقون.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s