عندما تغيب القيمة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لم أحزن كثيرًا عندما توفى الموسيقار محمد عبدالوهاب، أو بشكل أدق لم أكتشف حجم الخسارة بوفاته أو القيمة التى غابت بغيابه، ولكن تلك القيمة وإدراك حجم الخسارة أتيا فى مرحلة تالية. البقاء على الساحة لفترة طويلة- أى بقاء الشخص- قد يصلح مبررًا لتراجع حجم الحزن أو عدم إدراك حجم الخسارة، وطول البقاء على الساحة يعطى الإحساس للمعاصرين بأن ذلك الشخص الذى احتل الساحة قد طال بقاؤه، لذلك فإن غيابه لن يكون مفاجئًا أو خسارة، بل قد يكون رغبة كامنة لا تملك أن تفصح عن نفسها- أو قد تفصح أحيانًا- ولسان حال صاحب هذه الرغبة الكامنة يقول «كفاية كده». ولكن بعد الغياب تبدو الصورة خالية من جزء مهم فيها، ويعاد اكتشاف القيمة الحقيقية للأشخاص الذين قد نشعر تجاههم بالملل أو بأنهم عاشوا أكثر مما ينبغى، ويصبح من الصعب تخيل العالم المحيط بدونهم. هذه الأفكار انتابتنى خلال الفترة الأخيرة عندما كثر الحديث عن مستقبل فلسطين والقضية برمتها. عندها قفز إلى الذهن ياسر عرفات، وقد يكون عرفات أحد تلك الشخصيات التى ينطبق عليها ما ذكرت سابقًا، تلك الشخصية التى يعتقد البعض أنها أطالت البقاء، وأن خروجها أو غيابها أصبح مطلبًا من العديد من الأطراف المحيطة بها أصدقاء وأعداء، بل إن الإحساس ذاته قد يكون موجودًا لدى البعض من المتابعين العاديين، لكن الأمر الأكيد أنه فى لحظة الغياب وبعدها يكتشف الجميع أن العالم لن يكون كما كان قبل غياب ياسر عرفات.

المرة الأولى التى التقيت فيها بعرفات كانت فى نهاية الثمانينيات، فى أحد قصور الرئاسة المصرية، وكان الموعد المحدد للقاء حوالى الثانية صباحًا، ورغم اقتراب نهار اليوم التالى إلا أن أبوعمار كان يقظًا متنبهًا بشوشًا، سمعت منه فى تلك الليلة ما اعتدت على سماعه طوال السنوات التالية على شاشات التليفزيون، الحديث عن دولة فلسطين، ووعده الدائم لكل من يلتقيه بأن يصليا معًا فى المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين. مما لاحظته فى تلك الليلة وبقيت أذكره أن تفاصيل مشكلة صغيرة داخل أحد معسكرات المنظمة فى الجزائر كانت أحد الموضوعات المعروضة عليه ليحلها ويتخذ فيها قرارًا، وكان تعليق أحد المرافقين له وقتها عندما سألته متعجبًا كيف يمكن لكل شىء أن ينتظر قرار أبوعمار حتى لو كان خلافًا صغيرًا، كان تعليقه مبتسمًا: «هذا هو (الختيار)، (أى الرجل العجوز كما كان يطلق عليه)، وسيظل هكذا»، ويبدو فعلًا أنه ظل هكذا حتى اللحظات الأخيرة التى كان قادرًا فيها على القرار.

غاب أبوعمار، ولم يعد الشرق الأوسط كما كان، غيابه توافق مع رغبات العديد من الأطراف، ترك الساحة وقد صاحبه شعور بأنه بقى فيها أكثر مما يجب، ولكن أظن أن الآن هو وقت اكتشاف الخسارة، وقت اكتشاف الحزن.

غاب أبوعمار الذى صنع للثورة الفلسطينية تاريخها، ولم يُكتب له أن يعيش ليرى الدولة، وبعد غيابه يزداد الإحساس بحجم الخسارة.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s