الفتوات

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

«خذ حقك بإيدك»، ربما تكون المقولة الأكثر فوضوية في أدبيات تربية النشء. الغالبية ولا شك سمعوها من الأب أو الأم في مراحل عمرية سابقة، بل وعملوا بها أحياناً مع زملاء الدراسة أو الجيران أو أصدقاء الشارع. لكن مع مرور الزمن فإن الإنسان بالتأكيد قد أدرك أن «أخذ الحق» لابد أن يخضع للقانون وللأعراف المجتمعية والإنسانية، لا لمنطق «الفتوات».

ما فعله أحد المنتجين بمعاونة حراسه الشخصيين وهجومه ضد موقع «صدى البلد» أعاد إلى الأذهان هذه المقولة بحذافيرها. فما فعله الرجل يرسّخ لفكرة «خذ حقك بإيدك»، أو بالأحرى «خذ ما تعتقد أنه حقك بإيدك»، وهى الظاهرة المتنامية بشكل مدهش في المجتمع المصرى، على الرغم من وجود قانون يحكم العلاقة بين الجميع، ويفصل في النزاعات القائمة بينهم، حتى لو كان النزاع قائمًا على عرض مسلسل، وحتى لو كان المنتج الشهير لا يدرك الفارق بين صاحب قناة ورئيس تحرير موقع.

المشهد كان مؤسفاً، والاعتداء على صحفيين في مقار أعمالهم أشد أسفاً، لأنها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك خلال الفترة الأخيرة، إذ لم تجف أحبار الأخبار التي كُتبت عن حادث اعتداء لاعبى وجهاز أحد الفرق المصرية على زميلنا مصور «المصرى اليوم» بعد نهاية إحدى المباريات. هؤلاء اللاعبون المعتدون أيضاً آمنوا بمقولة «خذ ما تعتقد أنه حقك بإيدك»، وانهالوا على زميلنا ضرباً وركلاً، متناسين أمراً اسمه «القانون».

كثرة مشاهد الاعتداء على من ينتمون إلى مهنة الصحافة أخيراً لا تدل إلا على نظرة مجتمعية متراجعة للغاية للصحفيين والإعلاميين بشكل عام، تتناثر مسؤوليتها على أطراف عدة، أولهم بعض المسؤولين الذين عادة ما يوجهون سهام الانتقاد للصحفيين والإعلاميين في حدوث كوارث أو حتى تغطيتها بالشكل المهنى، وثانيهم بعض الصحفيين أنفسهم، وتحديداً من هجروا المهنية والمسؤولية المجتمعية، وآخرين صاروا يهاجمون الصحافة، وكأنها ليست مهنتهم، وثالثهم مسؤولون عن الملف الصحفى والإعلامى، تفرغوا إلى مشهد عرى في مسلسل أو فيلم هنا أو جملة حوار غير لائقة هناك، ورابعهم نقابة لا يصدر عنها إلا بيانات، وقرارات بحجب أسماء وأخبار.

كثيرون في المجتمع الآن يعتبرون أن ضرب الصحفيين حلال، وهو أمر يحتاج إلى وقفة مع النفس أولاً، من أجل دراسة ما يحدث بشكل عقلانى غير انفعالى، إضافة إلى ضرورة العمل لإعادة الاحترام وحماية الصحفيين من الاعتداءات، وأخيراً اهتمام أكثر من الدولة بـ«الصحافة» التي اقتربت من خط النهاية.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s