ذوو القدرات الخاصة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

دُعيت لإلقاء محاضرة عن الإعلام والأمن القومى، عندما وصلت إلى قاعة المحاضرة فوجئت بالجمهور الحاضر. ظننت أن الحاضرين من المتخصصين أو الدارسين، ولكنى وجدتهم شبابا صغيرا كلهم من ذوى القدرات الخاصة.

قبل البدء، أوضحت لى إحدى المشرفات عليهم أنهم لا يعترفون من الأصل بوجود إعلام، لا أحد يحدثهم أو يسمع منهم.

بدأت الحديث معهم بسؤال لهم ماذا يفضلون أن يطلق عليهم، ففى بعض القوانين واللوائح يطلق عليهم «ذوو الإعاقة»، وفى مواضع أخرى «ذوو الاحتياجات الخاصة»، وفى بعض التناول «ذوو القدرات الخاصة». ساعدتنى إحدى مترجمات الإشارة فى التواصل معهم، وكتبت أمامهم الخيارات الثلاثة، حيث رفضوا بغضب الاسم الأول منها تماما، ورفضوا أيضا الثانى دون غضب، وتحمسوا للثالث. يريدون أن يطلق عليهم ذوو قدرات أو مهارات خاصة.

واحدة منهم بدأت التعبير بغضب عن حالة العزلة التى يعيشونها مع المحيطين بهم، جميعهم يتحدث عن عائلاتهم والمحيطين بهم باعتبارهم منفصلين عنهم.. «هم» يشاهدون ويسمعون ويتفاعلون مع ما يشاهدون على التليفزيون، «ونحن» لا نفهم ما يدور ويُطلب منا الهدوء، فننزوى.

شكواهم أن لا أحد يحترم وجودهم من محطات التليفزيون، لا توجد ترجمة إشارة للأفلام والمسلسلات. لذلك يفضلون المسلسلات التركية، لسبب أساسى هو وجود ترجمة.

بعض نشرات الأخبار تقدَّم بلغة الإشارة، فى ركن صغير من الشاشة، لكنهم لا يفهمون الترجمة لأن المترجم أو المترجمة ليسوا من بين ذوى القدرات الخاصة، ويحركون أيديهم بسرعة ويترجمون كل الكلام فلا يفهمون. اقترحوا أن من يقوم بترجمة لغة الإشارة أن يكون من بينهم، فهناك البعض منهم لديه إعاقة جزئية تمكنه من السمع والقدرة على الترجمة، ويحتاجون فقط بعض التدريب ليتمكنوا من القيام بذلك. ويتمنون لو أنهم تمكنوا من التواصل مع القنوات المختلفة لتنفيذ هذا المقترح الذى تحمسوا له.

سألتهم: هل تقرأون الصحف؟ قالوا جميعا: لا، سألتهم: هل تعرفون أن الرئيس الفرنسى ماكرون يزور مصر اليوم؟ أجابوا بالنفى، وقبل أن أسألهم أسئلة أخرى تقاطعت الأصوات والكلمات والإشارات والهمهمات لتؤكد أنهم لا يعرفون شيئا ولا يتابعون، لأن لا أحد يتحدث إليهم. قطعوا علىّ الطريق للاستمرار فى سؤالهم عما يعرفون.

ولأن المحاضرة عن الإعلام والأمن القومى فكان لابد أن أتحدث فى الموضوع، فقلت لهم: «إن أهم عناصر الأمن القومى أن تقوم الدولة بمؤسساتها بالتواصل مع كل المواطنين باختلاف أجناسهم وأعمارهم وقدراتهم، وإذا ما عجزت الدولة عن ذلك من خلال إعلامها فإنها بذلك تهز مفهوم الأمن القومى. لذلك إذا ما تنبهت الدولة مؤخرا لكم وبدأت بعض الخطوات فإن ذلك ليس تفضلاً، ولكنه حق لهؤلاء وتصحيح لخطأ وفهم صحيح لمفهوم الإعلام والأمن القومى».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s