رحيل المتصالح الصادق

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لا أدعى معرفة قوية وراسخة بالراحل حسن كامى، ولكننا التقينا عدة مرات خلال الفترات الماضية، حيث كانت تجمعنا مجموعة «الفرسان»، وهى دائرة من الأصدقاء التى تكونت عبر سنوات عديدة، انضم إليها عديد من قامات وعلامات وشخصيات يندر أن تتجمع فى مكان واحد.

على قلة اللقاءات إلا أننى تمكنت من معرفة معدنه عن قرب. لم نتحدث كثيراً، ولكنى عرفت ولمست مدى نبله ورقيه وأدبه. شاهدت الابتسامة التى ربما لم تفارق وجهه أبداً، والتى قابل بها كل نجاحات حياته ومحنها على السواء. رأيته متصالحاً مع نفسه متسامحا مع من حوله.

علق مثلاً على واقعة مصادرة دولة يوليو أموال أسرته فى 1952، بأن العلم أهم من الثروة، فلا أحد يستطيع أن ينتزع منه علما تعلمه، بينما «الفلوس بتروح وتيجى»، وهو المثل الدارج الذى يستخدمه المصريون عادة تعليقاً على مصائبهم وخسائرهم المادية.

كان الرجل يقف دائماً فى منطقة وسطى من الأشياء، لم نسمع منه رأياً متطرفاً، كما لم نشاهده يحمل ضغينة لأحد أو كراهية لشخص، بل كان مخلصاً محباً لفنه وثقافته المزيجة بين الشرقية والغربية، كما كان ودوداً لمن يقابله، منحازاً لضميره ومبادئه.

المحن التى مر بها الرجل كانت عديدة، لعل أهمها ألم الخسارة والفقد الذى تعرض له فى حياته الخاصة، حيث قضى ابنه الوحيد «شريف» فى حادث سيارة، وكان يبلغ حينها 18 عاماً، وفاة ابنه كانت أكبر صدمة فى حياته، ربما وازت صدمة فقدان زوجته التى رحلت قبل ست سنوات، ليظل أسير ذكراها وذكرى ابنه.

كان كامى يردد دائماً أنه بعد وفاة زوجته لا يوجد لديه أى شخص قريب، وأحيانا يجلس ويتحدث وكأنه يسألها ويأخذ رأيها فى أمور حياته. ومن تابعه على السوشيال ميديا لاحظ رسائله اليومية لها وكأنها لم تفارقه. بدا كنموذج للصدق دون ادعاء كما يبدو على كثيرين.

كان المعروف عنه حبه للحياة، امتلك وجهًا يملؤه التفاؤل والمحبة لكل من حوله، وانعكس ذلك فى الصور التى انتشرت له عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ورأيت هذا فى وجهه فى كل مرة التقيته فيها. كانت الابتسامة تسكن وجهه بصدق ودون ادعاء. ويتسرب هذا الإحساس إلى الأجواء المحيطة به.

بعد أن فقد ابنه وزوجته اتجه للاهتمام بمكتبته التى تضم 40 ألف كتاب ومخطوط فى منطقة وسط البلد، والتى يعود تاريخها للقرن التاسع عشر، حيث كان يمتلكها أحد المستشرقين اليهود، الذى غادر مصر بعد العدوان الثلاثى عام 1956، فاشتراها حسن كامى.

سنوات مرت ابتعد فيها كامى عن الأضواء زهداً ورغبة فى بعض الهدوء والسكينة، ليأتى الخبر الحزين بوفاته.

رحم الله الفنان الإنسان، الذى لم تغب عن وجهه الابتسامة، حسن كامى.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s