دموع المستشار

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لا أذكر تحديداً متى التقيت للمرة الأولى بالمستشار ممدوح مرعى، وزير العدل الأسبق، ولكنى دائماً أذكر ذلك الانطباع الأول الذى تولد لدىَّ بمدى صدق وقوة شخصيته. أول ما يلفت النظر عند السلام عليه هو تلك اليد الكبيرة القوية، وتلك المصافحة القوية. ملامح وجهه الصارمة والحادة لم تستطع أن تخفى الملامح الطيبة وجمال الروح.

أعلم أننى أقدم صورة قد يختلف عليها كثيرون ممن لم يلحظوا فيه إلا حدة الملامح والمواقف، لكننى أظن أنه قد أُتيحت لى الفرصة لأعرفه عن قرب، تعددت لقاءاتنا، ولن أنسى ذلك اليوم الذى زرته فيه فى مكتبه بوزارة العدل تلبية لدعوة قهوة، تلك الزيارة التى استغرقت قرابة ثلاث ساعات فتح لى فيها الرجل قلبه وعقله، وتحدث بصدق عن مخاوفه من الوضع العام، وحكى عن موقفه الذى رفض فيه القبول بمواقف أو قرارات تتعارض والقانون والمصلحة العامة. أيضاً عرفت منه كيف كان يستخدمه الرئيس مبارك فى محاربة وتحجيم تغوّل بعض رجال الأعمال الذين استغلوا قربهم من مناطق السلطة والنفوذ.

لم يكن مؤيداً للعديد من السياسات، لكنه ظل يتعامل بمنطق رجل الدولة المسؤول وضمير القاضى الذى لم يخالفه فى أى موقف حتى لو اختلف معه آخرون. عرفت منه بعض المخالفات التى حاول وقتها أن يوقفها ولكن كان التيار أقوى منه، واستأذنته وقتها فى أن أستخدم تلك المعلومات مع زملاء من الصحفيين دون أن أشير إلى اسمه. ومن هذه القضايا قضية تحكيم «سياج» التى نشرتها «المصرى اليوم» وقتها، ولم يعلم القائمون عليها أن مصدر المعلومات الذى أعطيتها لهم وقتها كان وزير العدل، وهذه قصة أخرى.

أحسن الزميل محمد بصل، فى تقريره يوم وفاة المستشار «مرعى»، عندما قال: «هو واحد من القضاة الذين عُرفوا طوال مشوارهم بالموهبة الإدارية، اتسم بعدم الالتفات للاعتبارات الشخصية والسياسية فى العديد من المواقف، وساعدت ملامحه الصارمة وماضيه الرياضى فى لعبة الملاكمة على رسم صورة قاسية وحاسمة له فى دوائر عمله ووسائل الإعلام. كان داخل الغرف رافضاً للظواهر التى طرأت فى السنوات الثلاث الأخيرة من عهد مبارك من امتزاج المال بالسلطة».

كانت له مواقف متشددة مع أعداد من القضاة رغم أنه دافع عن حقوقهم كثيراً وأقام لهم الكثير من الخدمات ورفع مستواهم المعيشى.

أذكر فى ذلك اللقاء بينى وبينه، والذى استغرب العاملون فى الوزارة وقتها من طوله وخصوصيته، أنه تحدث معى عن اقتناعه بأن مصر كانت تتعرض لمؤامرة إسقاط من خلال ضرب مؤسسة القضاء، وأن هذا هو السبب الذى يجعله يتخذ ذلك الموقف ضد تغوّل نوادى القضاة وقتها.

لن أنسى تلك الدموع التى زيّنت عيون الرجل، وهو يتحدث عن حبه وخوفه على البلد.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s