مرة أخرى: الحل دولة القانون

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

شهدت الفترة الأخيرة اختيارات لعدد كبير من المسؤولين الأقباط فى مصر، حيث كان آخرهم ما أبرزته حركة المحافظين الأخيرة من تعيين منال ميخائيل كمحافظة لدمياط، وكمال شاروبيم لمحافظة الدقهلية، وذلك بعد ساعات من لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسى والبابا تواضروس، والذى أكد فيه الأول على اعتزاز مصر بالنسيج الواحد الذى يجمع طرفى الأمة.

يأتى ذلك متزامناً مع تطورات متعددة محيطة، سواء جريمة قتل الأسقف وتورط اثنين من الرهبان فى الجريمة، وما أثارته من جدل ونقاش موضوعى ومتجاوز. وأتت بعدها الأحداث التى تشهدها إحدى قرى محافظة المنيا، وهى أحداث مؤلمة ومثيرة للإحباط. وأيضاً للتساؤل: ما هو السبيل؟

أن يكون هناك مسؤول أو أكثر من الأقباط فإن هذا ليس منحة لطرف أو خصماً من طرف آخر، بل إن طرح عنصر الدين فى مثل هذا النقاش هو إطاحة بمفهوم المساواة بين المواطنين. المفهوم الصحيح للمواطنة هو اعتماد العناصر الموضوعية لاختيار المسؤولين وليس من بينها عنصر الدين.

أيضاً، الجريمة يتعامل معها القانون وسلطات الدولة، وهو ما حدث بالفعل، ولكن أن يتم استغلال الحادث لحوار وجدل يتجاوز الحدود المقبولة ويعبث فى مناطق قابلة للالتهاب ولردود أفعال غير صحية، فهذا ما لا يمكن تحمله أو القبول به فى هذه المرحلة.

وينطبق الحال على أحداث المنيا التى هى محك لاختبار مدى فاعلية القوانين المنظمة لعلاقات المجتمع ككل بعض النظر عن أى اختلافات دينية أو عرقية.

تمتلك الدولة المصرية قواعد دستورية وقانونية تكفل وتضمن مفاهيم المواطنة والمساواة، لكن الفيصل هنا هو تنفيذ هذه الأسس الدستورية والقوانين الموجودة بالفعل على أرض الواقع وليس الاكتفاء بوجودها. دولة القانون ليست هى الدولة التى تمتلك النصوص ولكنها القادرة على تنفيذها.

حاولت الدولة تأسيس مفهوم الدولة المدنية، وكان ذلك استجابة لبعض التوجهات داخل الدولة لكنها لم تكن ناضجة ومؤثرة بشكل كاف حتى الآن، تم تعديل الدستور عام 2007 وأصبحت المادة الأولى من الدستور المصرى تنص على أن: «جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة»، وحمل الدستور الأخير نفس المعنى.

لكن ما أعاق الحضور الجدى لمفهوم المواطنة كحقيقة حياتية هو ذلك الغياب لدولة القانون كحقيقة جادة. البعد القانونى للمواطنة يشمل المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم بسبب الدين أو العرق أو اللون أو الجنس… إلخ، يعنى ذلك إزالة جميع النصوص التمييزية من القوانين المعمول بها، وأن يكون لجوء المواطن إلى مؤسسات العدالة ميسوراً غير مكلف بالنسبة له، وأن تتوافر معايير العدالة المتفق عليها دولياً فى عمل هذه المؤسسات. ويتوازى ذلك مع إعمال (بكسر الألف) القانون بحق وتمكين المواطن من العيش فى ظله وفِى حماه بحق.

إلى المسؤولين جدداً وقدامى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

الْيَوْمَ ابن الأمس، والغد وليد الْيَوْمَ، أى أن لا شىء ينبت من فراغ ودورة الحياة تتكرر ولو بأشكال مختلفة لكن مضمونها تقريباً واحد.

الحركة الكبيرة التى شهدتها مصر أمس بتغيير هذا العدد الكبير من المحافظين- وإن تأخر- وإضافة نواب لبعضهم ولبعض الوزراء، وأيضاً تغيير فى بعض الهيئات المهمة كهيئة الرقابة الإدارية، كل هذه التغييرات يمكن أن تصب إيجابيا فى المشهد العام وفِى قوة اندفاع المجتمع إلى الأمام لتحقيق الهدف.

ما أتمناه من المسؤولين الجدد والقدامى هو أن يقرأوا التاريخ، فالتاريخ مُعلم لمن أراد النجاح.

عندما حاول «تحتمس الثالث» أن يمحو أى أثر لحتشبسوت فقد مارس طقساً مصرياً أصيلاً، للأسف. جاب هو ورجاله أنحاء مصر القديمة بحثاً عن أى بصمة لها ليمحوها، ولذلك يلاحظ الزائرون للدير البحرى أن اسم ووجه حتشبسوت تم كشطه من جدران المعبد الذى يحمل كل تفاصيل عهدها دون وجود لوجهها أو اسمها، ولولا الصدفة أو السهو الذى حمى بعضاً من أسماء وصور الملكة حتشبسوت لسقط اسمها من التاريخ الإنسانى.

لماذا أذكر هذه القصة القديمة التى تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة فى يوم كهذا؟ الإجابة بسرعة: لأنها قصة قديمة، لكنها فعل وسلوك دائم امتازت به ثقافتنا، ومن المناسب التذكير بها.

تربينا فى مدارسنا ومجتمعاتنا على أسلوب ابن زوج حتشبسوت، تحتمس الثالث، حدثتنا كتب التاريخ ووسائل الإعلام عن العهد الغابر، والعهد الزائل، والعهد البائد وكأنه بات جزءاً من ثقافتنا أن كل ما فات لا يليق به إلا إهالة التراب عليه، وباتت إحدى العلامات المميزة لثقافتنا فى التعامل مع السابق هى محاولة طمسه، بل هدمه أحياناً ومحاولة إعادة البناء من جديد، لذلك لا يعلو لنا الكثير من البنيان.

أهمية مفهوم البناء على ما سبق، والاعتراف بأن هناك إنجازاً سابقاً، وأن أى إنجاز آت هو مبنى على ما سبق ومكمل له، والاقتناع بأن الحضارات هى نتاج تراكمى للخبرات، ولو كان السلوك هو هدم ما سبق، والتحقير من شأنه، وادعاء البناء من جديد، فلن تكون هناك حضارة حقيقية.

ومفهوم ما سبق هنا هو مفهوم واسع، لا يقف فقط عند حدود البناء والتشييد ولكنه يتخطاها ليشمل الأفكار والمشروعات الفكرية بل الأشخاص الذين تكونت خبراتهم عبر العمل والمشاركة فى عهود سابقة، وأيضا الجدل الذى سبق أن مر به المجتمع. أظن أنه كان بإمكاننا اختصار جزء لا بأس به من الوقت لو أننا نبنى على ما سبق، أظن جهدا كان قد بذل وأفكارا كثيرة تم اختبارها. السابقون اجتهدوا كل حسب قدراته، وهناك إنجاز متفاوت، وليس من المصلحة الهدم أو التشويه لما تم.