«ولاد البلد»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

منذ عدة أسابيع، جمعتنى دعوة عشاء مع وزيرة خارجية غانا، شيرلى بوتشى، وعندما علمَت أننى مصرى ذكّرتنى بفتحية حليم، زوجة الزعيم الغانى التاريخى «نكروما». تلك الفتاة المصرية التى أسرت قلب أحد زعماء حركات التحرر فى القارة السمراء، فصارت السيدة الأولى فى غانا مصرية، وصار أبناء الزعيم «نكروما» غانيين، ولكن من أصل مصرى، بل إن أحدهم يعيش فى مصر بالفعل.

تذكرت واقعة «بوتشى» عندما حضرت الليلة الخاصة التى عاشها المصريون الأرمن، يوم الأربعاء الماضى، فى حضرة وزيرة الهجرة المصرية، نبيلة مكرم، ونظيرها الأرمينى، مخيتار هيرابتيان، خلال الاحتفال بالجالية الأرمينية التى تعيش فى مصر، بالمسرح القومى، تحت شعار: «إحنا المصريين الأرمن»، وسط أجواء من الألفة والمحبة، كالتى عاشها المصريون اليونانيون والقبارصة فى مدينة الإسكندرية، بداية مايو الماضى، عندما أطلقت وزارة الهجرة أيضاً مبادرة «الجذور»، التى هدفت لربط المصريين الذين هاجروا إلى اليونان وقبرص منذ سنوات أو اليونانيين والقبارصة الذين وُلدوا وعاشوا فى مصر سنوات طويلة قبل أن يعودوا لأوروبا. ما تفعله الوزيرة يلمس عنصراً مهماً من عناصر القوة الناعمة لمصر، والتى تتآكل للأسف.

لقد قال وزير المغتربين الأرمينى: «قبل عام 1915، كانت لنا جالية فى مصر والشرق الأوسط، ومصر من الأمم التى استضافت الأرمن بعد الإبادة الجماعية التى تعرضوا لها على يد العثمانيين، وبالتحديد الأتراك، لن ننسى كرم الشعب المصرى وترحيبه بالأرمن حينما لجأوا إلى مصر، حيث أقاموا المدارس والكنائس والأندية والمصانع والمحال التجارية، علاوة على إسهامهم فى النهضة الثقافية المصرية من خلال إصدار الصحف وإنشاء دور النشر». هذه الوقائع تدل على ضرورة استدعاء لحظات حقيقية قد نقرأ عنها فى كتب التاريخ. لحظات استطاعت فيها مصر أن تحتوى كافة الجنسيات والأصول والأعراق المختلفة، وتجعلهم «ولاد البلد». لحظات تداخل فيها تاريخ الأرمن واليونانيين والقبارصة والطليان وغيرهم فى وقائع الحياة اليومية، اختلطوا بالبشر وتعاملوا بطبيعتهم وفطرتهم، ظلوا محتفظين بعاداتهم وتقاليدهم ولغتهم، حيث سمح المصريون- «ناس وحكومة»- لهم بذلك، بكل محبة واستيعاب وتسامح.

دخل الأرمن فى مصر إلى تفاصيل الثقافة المصرية البسيطة، مثلهم جاء اليونانيون والقبارصة عبر البحر، اندمجوا سريعاً مع أشباههم من ذوى الثقافة المتوسطية. عملوا وربحوا. مارسوا شعائرهم الدينية دون تضييق أو فتاوى، ودون تعصب، وهو الأهم. خرج منهم أول رئيس وزراء مصرى، نوبار باشا، وكذلك ألكسندر صاروخان، رسام الكاريكاتير الشهير، إلى جانب نجمات السينما فيروز ونيللى ولبلبة.

لكن يظل السؤال الملح بعد هذا الاستدعاء والتذكر، وهو: «هل المجتمع المصرى الآن قابل لأن يكون بنفس القدرة على التسامح والاحتواء التى تمتع بها سلفه فى النصف الأول من القرن العشرين؟».

الإجابة فينا، ونعرفها جيداً.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s