عندما يكون «الشك» طريقاً للبناء

مقال بقلم عبداللطيف المناوي

أؤمن تماما بأهمية البدء بالشك فى الأمور، من أجل البحث عن اليقين. يقول رينيه ديكارت «يجب النظر إلى كل ما يمكن أن يوضع موضع الشك على أنه زائف». هنا لا يقصد ديكارت (الفيلسوف الفرنسى) الحكم بزيف كل شىء، أو بزيف كل ما يُوضع محل الشك، بل يقصد أنه لن يقبل بأى شىء على أنه حقيقى ما لم يُخضع لامتحان الشك، الذى يستطيع به الوصول إلى شىء يقينى عن طريق برهان عقلى.

هذا إيمانى. فـ«الشك» منهج إيجابى يجب على بنى البشر أن يدركوه. واعتقادى أيضاً أنه على الحكومات أن تشك للوصول إلى حالة اليقين فيما تفعله. على المواطن أيضاً أن يتشكك فى كل ما تفعله حكومته للوصول إلى حالة الدعم الذى يعطى حكومته ثقة.

الشك فى الحالة المصرية إيجابى. فمن حق الحكومة المصرية أن تتشكك فى الإجراءات التى تفعلها خلال الفترة الماضية، لا عيب أبداً أن تراجع بعض القرارات إذا ثبت عدم صوابها. لا جريمة فى هذه المراجعة التى تحرص عليها الدول المتقدمة كل فترة. العيب الحقيقى أن تستمر حالة اليقين غير المبنية على الشك فى أى من المراحل.

من حقى كذلك كمواطن أن أشك مثلاً فى كل ما تفعله الحكومة. وأن أعلن رأيى فى المنصات المتاحة. من حقى كمواطن أن أشك فى كل ما يصدر عن الحكومة ووزاراتها وأجهزتها من حكايات وروايات عن جريمة ما أو حادث وقضية شغلت الرأى العام. ومن حقى فى مرحلة تالية أن أشعر بدرجة مختلفة من استمرار الشك أو عدمه مع ظهور تقارير ليست نهائية من أجل الوصول أيضا إلى حالة اليقين.

اعتقادى كذلك أن التشكيك هو الأمر السلبى. هنا لا يكون البحث للوصول إلى اليقين بل إلى زعزعة اليقين. فالغرض هو الهدم وبكافة الوسائل المتاحة. أما الأساليب فهى كثيرة ومتعددة ومتنوعة، وتتخذ أشكالاً عدة. تبدأ من جملة على مواقع التواصل الاجتماعى، وتنتهى عند المتربصين بالدولة.

لست مع من يستغلون هذه الحالة من أجل الدفع بشكل مستمر إلى تصعيد حالة التشكيك فى المجتمع، فهى ولا شك ليست فى صالح هذا الوطن ولا المواطن. وتملك الدولة قطع الطريق على هؤلاء إن نجحت فى كسب مواطنيها باقتناع حقيقى قائم على اليقين.

ظنى أيضاً أن منهج الشك هو الطريق نحو اليقين ونحو البناء والتصحيح، لا الهدم.

الدولة القوية هى التى تحاصر التشكيك السلبى بدعم الشك الإيجابى، هى التى تفتح صدرها للآراء المختلفة لتناقشها وتقبل منطق تحدى الإقناع. ليست القوة أن يصمت كل من يختلف أو يتساءل، ولكنها قدرة تحدى المعترض وأصحاب الشكوك بمنطق الحوار والإقناع، وأيضاً بإثبات مرونة الموقف وإعادة النظر فيما يحتاج إعادة نظر.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s