إلى المسؤولين جدداً وقدامى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

الْيَوْمَ ابن الأمس، والغد وليد الْيَوْمَ، أى أن لا شىء ينبت من فراغ ودورة الحياة تتكرر ولو بأشكال مختلفة لكن مضمونها تقريباً واحد.

الحركة الكبيرة التى شهدتها مصر أمس بتغيير هذا العدد الكبير من المحافظين- وإن تأخر- وإضافة نواب لبعضهم ولبعض الوزراء، وأيضاً تغيير فى بعض الهيئات المهمة كهيئة الرقابة الإدارية، كل هذه التغييرات يمكن أن تصب إيجابيا فى المشهد العام وفِى قوة اندفاع المجتمع إلى الأمام لتحقيق الهدف.

ما أتمناه من المسؤولين الجدد والقدامى هو أن يقرأوا التاريخ، فالتاريخ مُعلم لمن أراد النجاح.

عندما حاول «تحتمس الثالث» أن يمحو أى أثر لحتشبسوت فقد مارس طقساً مصرياً أصيلاً، للأسف. جاب هو ورجاله أنحاء مصر القديمة بحثاً عن أى بصمة لها ليمحوها، ولذلك يلاحظ الزائرون للدير البحرى أن اسم ووجه حتشبسوت تم كشطه من جدران المعبد الذى يحمل كل تفاصيل عهدها دون وجود لوجهها أو اسمها، ولولا الصدفة أو السهو الذى حمى بعضاً من أسماء وصور الملكة حتشبسوت لسقط اسمها من التاريخ الإنسانى.

لماذا أذكر هذه القصة القديمة التى تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة فى يوم كهذا؟ الإجابة بسرعة: لأنها قصة قديمة، لكنها فعل وسلوك دائم امتازت به ثقافتنا، ومن المناسب التذكير بها.

تربينا فى مدارسنا ومجتمعاتنا على أسلوب ابن زوج حتشبسوت، تحتمس الثالث، حدثتنا كتب التاريخ ووسائل الإعلام عن العهد الغابر، والعهد الزائل، والعهد البائد وكأنه بات جزءاً من ثقافتنا أن كل ما فات لا يليق به إلا إهالة التراب عليه، وباتت إحدى العلامات المميزة لثقافتنا فى التعامل مع السابق هى محاولة طمسه، بل هدمه أحياناً ومحاولة إعادة البناء من جديد، لذلك لا يعلو لنا الكثير من البنيان.

أهمية مفهوم البناء على ما سبق، والاعتراف بأن هناك إنجازاً سابقاً، وأن أى إنجاز آت هو مبنى على ما سبق ومكمل له، والاقتناع بأن الحضارات هى نتاج تراكمى للخبرات، ولو كان السلوك هو هدم ما سبق، والتحقير من شأنه، وادعاء البناء من جديد، فلن تكون هناك حضارة حقيقية.

ومفهوم ما سبق هنا هو مفهوم واسع، لا يقف فقط عند حدود البناء والتشييد ولكنه يتخطاها ليشمل الأفكار والمشروعات الفكرية بل الأشخاص الذين تكونت خبراتهم عبر العمل والمشاركة فى عهود سابقة، وأيضا الجدل الذى سبق أن مر به المجتمع. أظن أنه كان بإمكاننا اختصار جزء لا بأس به من الوقت لو أننا نبنى على ما سبق، أظن جهدا كان قد بذل وأفكارا كثيرة تم اختبارها. السابقون اجتهدوا كل حسب قدراته، وهناك إنجاز متفاوت، وليس من المصلحة الهدم أو التشويه لما تم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s