لا تستهينوا بمستصغر الشرر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لم تسلم العلاقات المصرية السعودية مما يوترها، بعض هذه الأزمات وصل إلى مرحلة متقدمة لو بحثنا فيها لوجدنا أن السبب الرئيسى كان دائماً النفخ فى نيران الأزمة، والمعالجة الخاطئة أحيانا، والمتعجلة أحيانا أخرى، وعدم إدراك خطورة استثارة الرأى العام فى كل الأحوال. عاصرت شخصياً أزمتين من الأزمات «العلامة» فى العلاقات بين البلدين، ولذلك تحذيرى ينطلق من إدراك ومعايشة نيران شهدتها ولمستها من قبل.

إحدى هذه الأزمات حدثت منذ أكثر من عشرين عاماً، حينما نفذت السلطات السعودية حكماً بجلد طبيب مصرى، لأنه حرر محضراً ضد مدرس سعودى يتهمه باغتصاب ابنه، فارتأت المحكمة أن الرجل لا يملك الحجة والدليل، ومن ثم نفذت عليه الحكم. وتكرر أمر جلد الأطباء بعدها أكثر من مرة. وقتها نشرت مجلة روزاليوسف على غلافها عنوان «جلد المصريين فى السعودية»، فغضب الشارع المصرى، وبدأ الحريق. كنت وقتها أعمل فى جريدة الشرق الأوسط السعودية اليومية، التى تصدر فى لندن، وشهدت بعينى كيف كانت تتطور الأزمة وتكاد تخرج عن السيطرة. حتى إن مسؤولاً سعودياً كبيراً قال وقتها إن أرادوا قطع العلاقات، يقصد المصريين، فلنفعل ذلك. حاول العقلاء على الطرفين حتى تمكنوا من تجاوز الأزمة ولكن بعد وقت طويل. الأزمة الثانية التى حضرتها كانت بسبب الموضوع الذى نُشر عام 1996 حول دور أبناء الرئيس فى البيزنس، وهو الأمر الذى سبب توتراً شديداً فى العلاقات أيضاً، احتاج الأمر الكثير من الجهد والوقت لتجاوزها.

ما أذكره من أزمات شهدتها وعايشتها لا أذكره من منطلق الذكريات، ولكنى أستحضرها فى ذهنى وأنا أرى ما يحدث من تصرفات تسخين وإشعال لنار الفتنة بين الشعبين لأسباب أصغر كثيرا من أن تكون سببا فى حريق يشتعل. ولكنى هنا أحذر وأذكّر بمشكلات حدثت من قبل لأسباب أقل، ولَم يكن هناك وقتها ذلك التفاعل الكبير والانخراط الهائل للمواطنين فى وسائل التواصل الاجتماعى، لم تكن موجودة أصلا، وعلى الرغم من ذلك فإن وسائل الإعلام التقليدية على محدودية انتشارها وقتها مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعى كانت سببا فى إشعال الموقف. فما بالنا بالوقت الواهن. وكما يقال معظم النار من مستصغر الشرر.

لم أتناول أسماء لأنها ليست قضيتى، ولكنى هنا أحذر العقلاء على الطرفين من محاصرة أزمة قد تنفجر فى وجوهنا بلا داعى لها. وأنا هنا لا أتحدث عن أزمة فى الوسط الرياضى أو الإعلامى، ولكنى أتخوف من اشتعال نيران أزمة بين بلدين لا يتحملان فى الوقت الراهن مثل هذه الأزمات، البلدان بحاجة إلى تدعيم وتقوية ما بينهما، وليس هدر الجهد لإطفاء نيران أزمة، كان من الممكن تجنبها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s