المزيفون فى الأرض

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

عندما يعجز إنسان عن مواجهة تحدياته فإنه يلجأ إلى خلق واقع آخر فى خياله، يستطيع خلاله أن ينتصر على تحدياته، ويحقق طموحاته، منتشياً بقوة وهمية مزيفة.

هذه الحالة من الهروب هى جزء من تكوين النفس البشرية بدرجة أو بأخرى. وإذا ما زادت هذه الدرجة على مستوى معين تتحول إلى حالة مرضية، ولعل أكثر الأمثلة وضوحاً لهذه الحالة عندما يتعرض الطفل للاعتداء عليه بالضرب من طفل آخر أكبر منه أو أقوى، فإنه يعوض ذلك بمشهد يعيشه وهو يضرب من ضربه، بل يتباهى بالكيفية التى وجه بها اللكمات القوية حتى سقوط زميله أرضاً، فيشعر الطفل وقتها بالارتياح، متخلصاً من إحساس القهر.

تتحول هذه الحالة إلى ظاهرة مرضية إذا ما صدق خياله، وبدأ يصدر حكايته المتخيلة للآخرين على أنها حقائق، حيث ينذر هذا بأن الرجل القادم من هذا الطفل هو رجل مريض نفسياً، يحل مشكلته بالعيش فى الأوهام ويخلق لنفسه واقعاً مزيفاً بديلاً عن واقعه الحقيقى.

كثيرون ممن يحيطون بنا يعانون هذا المرض، حيث إن التغيرات التى مر بها مجتمعنا سمحت لهؤلاء المرضى بأن يطلقوا علينا أوهامهم باعتبارها حقائق، ويصدّرون لنا حكمتهم – التى لم تكن موجودة يوماً – باعتبارها مسلمات، لنكتشف كيف أن رجالاً ونساءً احتلوا مواقع النخبة وتشكيل الرأى العام مصابون بهذا المرض النفسى الخطير.

لكن الأخطر هو أن بعضاً من هؤلاء اكتشفوا أنهم كى يعيشوا فى دائرة الضوء فإن الطريق لذلك هو ادعاء البطولة والحكمة بأثر رجعى. لنَعُد بالذاكرة فنرَ أحدهم وهو يقف موقف المتسول لنظرة رضا من مسؤول سابق، ليخرج بعد فترة ويتحدث عن بطولاته وصولاته وجولاته فى مجابهة هذا المسؤول، مدعياً أنه كم قدم من نصح ومشورة للمسؤولين السابقين، لكنهم لم يسمعوا له ولحكمته، فدفعوا الثمن.

يدّعون أن نسبهم يعود إلى «زرقاء اليمامة»، ويوهمون الناس بامتلاكهم القدرة على رؤية القادم، فيخرج أحدهم ليتحدث اليوم عن أنه كيف رأى مستقبل مصر منذ الجمعة التى خطب فيها القرضاوى فى ميدان التحرير، لكن الأغبياء لم يسمعوا منه!.

وجود مثل هذه الشخصيات فى أى مساحات تأثير داخل المجتمع لن تصب إلا بالسلب ضد مصلحة هذا الوطن. فالأقنعة التى تظهر وكأنها وجوه حقيقية، لا تدوم. من يحدثوننا وكأنهم العارفون ببواطن الأمور، معتمدين على ضعف ذاكرة الناس، سيتوارون مادام الرهان والأمل موجودين فى القاعدة التى تقول إنه «لا يصح إلا الصحيح»، وحتى يصح الصحيح فينبغى ألا نتوقف عن كشف البطولات الوهمية لهؤلاء الهاربين من واقعهم البائس إلى خيالهم المزيف.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s