قوة ناعمة.. كيف؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

من الموضوعات التى تُطرح بقوة هذه الأيام موضوع القوة الناعمة، وسبق أن تناولتُ هذا الموضوع عدة مرات. لكن يبدو أن لدينا عدم وضوح، على الأقل لدى قطاع مؤثر فى صناعة القرار لذلك المفهوم وعناصره وحدوده. لذلك من المناسب دوما إعادة الطرح بزوايا مختلفة، بل أدعو إلى تشكيل فريق مهمته أن يفكر وأن يضع تعريفات متفقا عليها وتصورات حركة وفعل.

استمراراً للنقاش أقول إن الثابت أن مصر غنية بقوتها الناعمة، ربما ينشط استغلالها فى بعض الأوقات، وربما تخفت أنوارها وأدوارها.

لكن الحاجة أم الاختراع، وحاجة الدولة المصر��ة الآن للقوة الناعمة كبيرة ومتعاظمة، فى ظل التحديات الإقليمية والعالمية التى تواجهها فى مرحلة البناء والتنمية الحالية.

أحياناً كثيرة نحتاج أن ننظر إلى الماضى لنرسم ملامح المستقبل. فى النصف الأول من القرن الماضى، نجد أن صناعة السينما المصرية، التى مولتها الدولة بسخاء، كانت ثالث أكبر صناعة فى العالم خلال حقبة الخمسينيات، حيث كان لنجيب الريحانى وإسماعيل ياسين وفاتن حمامة وسعاد حسنى وشكرى سرحان، القدرة على التأثير فى كل أرجاء الأمة العربية. هم من جعلوا العرب يضحكون ويبكون. كان الاستماع إلى أم كلثوم وعبدالحليم وعبدالوهاب غير مقتصر على الُأذن المصرية فحسب، بل تعداه إلى الجمهور العربى بأكمله، وكذلك استطاع المسرح أن يجذب أقطاب هذا الفن من العرب، فكان مسرح الشوام أبوخليل القبانى ومارون النقاش فى مصر هو نقطة الانطلاق لنهضة مسرحية عظيمة.

ليس الفن فقط، بل الثقافة والأدب أيضا، فكان طه ��سين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغيرهم هم الأدباء المفضلين لدى المتذوقين من المحيط إلى الخليج. الأمر تعدى كذلك إلى قطاعات ناعمة أخرى، مثل التعليم، منذ أن أرسل الرئيس جمال عبدالناصر مئات المعلمين إلى الجزائر لتعليمهم اللغة العربية الفصيحة بدلا من القياسية التى كانت منتشرة فى مدارس الجزائر حينها.

وأصبحت اللهجة المصرية صاحبة الدور الرئيسى فى تقريب الشعوب العربية من خلال الصحف والمجلات والأفلام السينمائية.

فى العقود الأربعة الأخيرة كان هناك اهتمام بالفن والموسيقى والإبداع الموجه داخليا، ولكن غاب عنا البعدان العربى والأفريقى، وحدث نوع من الاستسلام للواقع الجديد بتعقيداته، وعانينا من انكماش ملحوظ وغياب رؤية بعيدة النظر لكل ما حولنا.

ظهرت قوى إقليمية منافسة تسعى إلى بسط سيطرتها وامتداد نفوذها من خلال القوة الناعمة التى حاولت أن تروج لنفسها باعتبارها النموذج الأمثل للاقتداء به من خلال توظيف الأداة الإعلامية والفن للتأثير على الثقافات الأخرى.

ومع فترة الاضطرابات السياسية التى تلت 25 يناير حدث تراجع كبير للقوة الناعمة، سواء على المستوى الداخلى أو الإقليمى.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s