ورحل صاحب الصوت المخدِّر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

فى مثل هذه الأيام، قبل واحد وخمسين عاماً، كان صوت إذاعى هادر يشحن معنويات العرب من المحيط إلى الخليج. يعدهم بنصر مؤزّر ويذيع على مسامعهم بيانات عسكرية تؤكد أن هزيمة العدو الصهيونى أمام «جحافل» القوات العربية مسألة وقت.

عاش المصريون والعرب على هذا الصوت المخدر، حتى أفقنا جميعاً على أكثر نكسات العرب إيلاماً، ليبقى التساؤل حول حدود مسؤولية صاحب الصوت عن محتوى ما حمله صوته.

كان ذلك الصوت المنبعث من إذاعة «صوت العرب» من القاهرة لأحمد سعيد، الذى تصادف رحيله عن عمر 93 سنة قبل ساعات من ذكرى هزيمة يونيو، التى ارتبط اسمه دون ذنب حقيقى بها، بعدما بشر الجميع بإسقاط الطائرات الإسرائيلية، وهى الأخبار التى عرف الجميع بعد ذلك أنها كاذبة.

يقول أحمد سعيد، معلقاً على ذلك: «ما فعلته فى 1967 أهم من الناحية الحرفية مما فعلته فى مسيرتى الإعلامية كلها، لماذا؟ لأن مصر آنذاك كانت دولة منهزمة وشعباً منهزماً، ورئيس الدولة خرج على الناس وهو مشحون بالأسى ويعلن عن مسؤوليته وتنحيه، ثم صارت الدولة بلا رئيس، ولم نتلقّ معلومات لأربعة أيام. فى ظل هذا كله كيف يمكن الحفاظ على الروح المعنوية للشعب؟». لكنه عاد ليؤكد أنه لم يكن مسؤولاً عن مضمون البيانات ولا يمكنه تغيير محتواها، وقد أذاعها كما تلقاها.

اشتهر «سعيد» بأسلوبه الفريد فى الأداء أمام الميكروفون بشكل جعل منه نجماً جماهيرياً فى الوطن العربى. فى برنامجه «أكاذيب تكشفها حقائق» فى العام 1959 دافع عن مصر أمام هجوم شرس شنته إذاعات سرية لبعض البلاد العربية.

بتفويض من عبدالناصر أصبح أحمد سعيد من خلال «صوت العرب» هو الداعم المعنوى لشعب الجزائر ضد الاستعمار، حتى قامت ثورته التى أذاع بيانها الأول من القاهرة، وكان البيان معداً قبل بدء الثورة بثلاثة أيام، حيث كانت «صوت العرب» على تواصل دائم مع الثوار فى الجزائر.

أدخل خلال فترة عمله بـ«صوت العرب» الكثير من التجديدات على أساليب الكتابة الإذاعية، والخرائط البرامجية، وأساليب العمل الإذاعى، كما استخدم الفكاهة فى التعبير السياسى والسخرية فى برنامجه الشهير «هذا عدوك».

فى بعض الأحيان يحمل الإعلامى على كتفيه عبء التعبير عن نظام ما فى مرحلة ما، ويحاسبه التاريخ كحامل للواء المرحلة ومعبر عنها، ويظل التفسير المهنى أعجز عن أن يرد الظلم النسبى الذى يقع على الإعلامى الذى مارس المهنة ولَم يمارس السياسة.

الاستثمار الأجنبى ضرورة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

بالتأكيد هناك تغيرات إيجابية كثيرة تؤكد أن مصر تخطو بثبات نحو بداية جديدة تشهد من خلالها تنمية اقتصادية شاملة، تحاول فيها أن تراعى البعد الاقتصادى والاجتماعى. لكن السؤال الذى يجب أن نعرف إجابته هو: هل يمكن للدولة وحدها النجاح؟ هل ما تمتلك من مقومات اقتصادية كافٍ لإحداث النمو الاقتصادى المنشود؟.. الإجابة القاطعة وبشكل علمى هى النفى. وكما أشرت بالأمس، لن نتمكن دون استثمار أجنبى مباشر يُضخ فى جسد الاقتصاد. فَهم ذلك والاقتناع به هو المقدمة لتطوير الفَهم إلى فعل.

العلم يقول إن الاستثمار الأجنبى المباشر للدول النامية وسيلة أفضل من اللجوء إلى الاقتراض، ويسهم فى سد الفجوة بين الادخار والاستثمار، خاصة فى ظل الشروط المجحفة للقروض الخارجية، وأيضا تقلص المساعدات الخارجية للدول النامية، مع ملاحظة تراجع نسبة المساعدات الإنمائية المقدمة إلى تلك الدول.

أعلن البنك المركزى المصرى نهاية العام الماضى ارتفاع صافى حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة الوافدة خلال العام المالى 2016 /2017، ليصل إلى 7.9 مليار دولار مقابل 6.43 مليار دولار فى العام المالى 2015/ 2016.. إلا أن هناك ملاحظة مهمة أنه مازالت أغلب الاستثمارات الأجنبية المباشرة منحصرة فى مجال الغاز والبترول بشكل رئيسى، وعلى الرغم من أهمية تلك الاستثمارات إلا أن هناك ضرورة لوجود تنوع فى طبيعة الاستثمارات.

على صانعى السياسة الاقتصادية فى مصر وضع هيكل حوافز أمام الشركات الأجنبية يشجعها على مزيد من التصدير، ولابد من وضع هيكل حوافز جديد لحث الشركات الأجنبية على تشغيل مزيد من العمالة المحلية.

مؤشر الاستقرار المالى يعد أحد أهم عناصر قرار المستثمر الأجنبى. هذا الاستقرار يتمثل فى التضخم، ولذا لابد لصانعى السياسات الاقتصادية من وضع سياسات لاستهداف التضخم والمحافظة على استقرار أسعار الصرف بعيداً عن التقلبات الشديدة. كما أن مؤشر البنية الأساسية أيضاً له تأثير على جذب الاستثمارات. ومن هنا تبدو أهمية الاهتمام الواضح بمشروعات البنية من خلال إعادة رصف الطرق المتهالكة وإنشاء طرق جديدة وإنشاء كبارى جديدة، وأيضا لابد من الاهتمام بخدمات الاتصالات والإنترنت، حيث إن خدمات الاتصالات تعد من أهم مشروعات البنية الأساسية التى تساعد على جذب مزيد من الاستثمارات. العنصر الآخر الحاسم فى جذب الاستثمار الأجنبى هو الإصلاحات القانونية والتشريعية، وهناك خطوات مهمة اتخذت فى هذا المجال، ولكنها حتى الآن مشوبة بالغموض فى بعض أجزائها وعدم اكتمال مكوناتها.

ويظل المناخ الذى يعمل فيه القطاع الخاص الوطنى أحد أكثر العوامل الحاسمة والمحفزة لقرار الاستثمار الأجنبى المباشر والمتنوع.