تشويه ملامح الوطن

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

عندما كنت أرى وجوه من حكموا مصر لمدة عام على شاشات التليفزيون كنت أشعر أن هذه الوجوه لا أعرفها، ليس لأنها وجوه غير مصرية، على العكس هى وجوه شديدة المصرية لكنها غيرت فى انتمائها أو على الأقل عدلت فى ترتيب أولوياتها فقررت أن تستبعدنا جميعا وتنفرد هى بالوطن كله كغنيمة وكخطوة من أجل تحقيق أهدافها التى تتجاوز الوطن إلى أحلامهم الخاصة فى الخلافة الإسلامية التى يتحول فيها هذا البلد بتاريخه إلى مجرد ولاية، ولذلك فقد تغيرت ملامحهم، أو هكذا شعرت. ولأننى كنت أرى ذلك بوضوح منذ اللحظة الأولى فقد تملكنى ذلك الشعور المستمر بغربتى عن هؤلاء رغم أنه كان لى من بينهم أصدقاء قرروا أن انتماءهم للجماعة أهم من الصداقة.

لم يقف الأمر بهم عند هذا الحد بل بدأوا فى عملية تجريف حقيقية ومؤثرة فى ملامح الشخصية المصرية، وبدأوا يفرضون واقعا جديدا ذا ملامح مختلفة، وكما ذكر لى صديق أنه شعر بأنهم يغيرون ملامح وجهه. وأظن أن هذا التشبيه هو الأكثر تعبيرا عن الإحساس الذى سكن المصريين وقتها، وهذا يفسر جزئيا هذا العدد الضخم من المصريين الذين قرروا أن يخرجوا ليحموا ملامحهم ووجوههم من التشويه الذى بدأته الجماعة ولم تمتلك الوقت كى تنفذه. كما ذكرت سابقا فإن المثل المصرى الدارج يقول «العند يولد الكفر»، وبالفعل نجحت جماعة الإخوان المسلمين فى أن تغير ملامح قديمة فى الشخصية المصرية، فالمصريون لا يثورون بسهولة و«نفسهم» طويل مع حكامهم وقصير فى الاحتجاج، ولكن لأن العند يولد الكفر فقد تمكنت الجماعة بعنادها وإصرارها على إنكار الواقع من أن تولد غضبا حقيقيا ولا نهائيا داخل نفوس المصريين، دفعتهم إلى الكفر بهم وبحكمهم وبرجلهم الذى سكن قصر الرئاسة. هذا الكفر بهذا النظام وهذه الجماعة غير من شخصية المصرى فثار بسرعة واستمر فى الثورة ضدهم، إعلانا عن كفره بهم، ولم يترك المصريون الشارع حتى اندحرت الجماعة ورئيسها وعادت للمصريين ملامح وجوههم.

خرج المصريون، إلا قليلا، واستدعوا المؤسسة الوحيدة القادرة على الفعل فى هذه المرحلة، فى الواقع هى المؤسسة الوحيدة التى نجت نسبياً من عمليات التجريف وهدم الثقة، استطاعت هذه المؤسسة، التى هى الجيش، أن تستعيد بسرعة مكانتها عند المصريين. لم يكن هناك مجال للجميع إلا الأمل فى الجيش فقد تغلبوا على إحساسهم بالشك وظلوا ينتظرون اللحظة التى يعلن فيها الجيش انحيازه للناس مرة أخرى. ولم يخيب الجيش أمل الملايين الذين نزلوا فى الشوارع بحثاً عن وطنهم المخطوف.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s