التبرعات لا تبنى

هل التبرعات النقدية والعينية مهما عظمت قادرة على أن تعطى لمصر قوة الدفع المستمرة؟، هل حل تراجع مستوى الخدمات فى بعض المؤسسات الخدمية يكمن فى دعوات التبرع لهذه المؤسسات لتمكينها من القيام بدورها المفترض بالمستوى المتوقع؟، أعتقد أن الإجابة جميعنا يعرفها.

الانطلاق يحتاج قوة دفع، لكن التقدم إلى الأمام ليس هدفاً نهائياً، إنما استمرار التقدم إلى الأمام هو الهدف الرئيسى، لذلك فإن قوة الدفع ��لأولى لأى كيان، بدءاً من مؤسسة صغيرة حتى اقتصاد دولة، على أهميتها، ليست كافية لبلوغ الغاية ما لم تكن متبوعة بطاقة مستمرة تضمن الاستمرار. من هنا تكمن أهمية البحث عن طرق لديها ضمانات الاستمرار.

الدعوة إلى دعم الدولة من خلال دعم مؤسساتها وصناديقها هى حالة تثير قدراً كبيراً من التقدير والاحترام، وهى دلالة على رغبة المصريين الحقيقية وتأييدهم إحداث تغيير حقيقى فى بلدهم، لكنها تبقى مجرد دلالة وليست طريقاً.

مدعاة هذا الحديث الآن هى ما نلاحظه جميعاً، هذا الفيضان السنوى من دعوات التبرع لجمعيات خيرية ومستشفيات خاصة وعامة، بل مؤسسات تبدو اقتصادية وتمويلية، وتحول الأمر إلى سباق مثير للحزن والاستياء لتشجيع الناس على التبرع فى كل المجالات، حتى بدا الأمر وكأن ضمان حد أدنى لحياة كريمة للمصريين مرتبط بالتبرعات. ويبدو هنا العديد من مؤسسات الدولة فى مظهر العاجز، مثلها مثل المريض الذى يسعى إليها. ولكن، هل هذا كافٍ لإعادة بناء مصر من جديد؟، أظن أن الإجابة واضحة، لن تُبنى مصر إلا بالعودة مرة أخرى إلى دائرة الفعل، استعادة قيمة العمل لدى المصريين، ولكى يعود هذا فإن المطلوب تهيئة المناخ لهذه العودة.

السبيل الآن هو إعادة مناخ الاستقرار إلى أجواء الاستثمار. هذا لن يتأتى إلا باعتماد العمل وفقاً لدولة القانون، التى يكون فيها القانون هو السيد، وهو المحدد لسلوك الجماعات والأفراد ومؤسسات الدولة.

اقتصادياً، لن تكون هناك فرصة لإعادة ضخ دماء حقيقية فى جسد الدولة المنهك سوى عن طريق اتباع قواعد قانونية واضحة ومطمئنة لكل أطراف العملية الإنتاجية من عمال وإدارة ومستثمرين.

مصر لن تتخذ مكانها الطبيعى بين الأمم التى تليق بها إلا إذا بدأ أبناؤها فى العمل الجاد من أجل ذلك الهدف فى ظل دولة قانون. تظل دعوات التبرع وتلبيتها أحد أشكال تكافل المصريين.. وفى حالات، يمكن اعتبارها دعماً لانطلاق الدولة، ولكن الخطأ سيادة الانطباع بأن بناء مصر وحل مشكلاتها يمر من خلال التبرعات.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s