الخروج من النفق بالتواصل

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

نعم صدق من قال إن ما حدث فى الشارع المصرى خلال الأسبوعين الأخيرين يدل على أن الحكومة والشعب يعيشان فى «جزر منعزلة»، يتصرف أحدهما دون تواصل مع الآخر، بل دون النظر إليه فى الأساس. يتخذ المسؤول قراراً يغضب بسببه الكثيرون، ثم يخرج ليدافع بشكل لا ينم إلا عن عدم دراسةٍ لأبعاد الأزمة فى أصلها، فينتهى الأمر، إما بالتراجع، فيعتقد الجموع خطأً أنهم انتصروا دون فهم أو وعى، أو بفرض أمر واقع، اعتماداً على عنصر النسيان، لتنتهى المشكلة، ثم تبدأ أخرى، وهكذا.

مرة أخرى، وبالتأكيد لن تكون أخيرة طالما نفتقد إلى بوصلة التواصل، نعود للحديث مجدداً عما تجهله الحكومة، عمداً أو عن غير عمد، بخصوص ملف إدارة الأزمات، وتحديداً فى أزمتى المترو والتعليم، واللتين كانتا نموذجين لغياب مفهوم التخطيط للتعامل مع الأزمات المتوقعة، وأيضاً أسلوب إدارة الأزمات نفسه.

المدهش أن معظم مؤسسات الدولة تمتلك ما يمكن أن نطلق عليه «مجموعة لإدارة الأزمات»، بل أعتقد أن هناك مجموعة تابعة لمجلس الوزراء تحمل هذا الاسم، لكن الأمر الأكيد أن هناك ملحوظة سمعتها من أطراف متعددة أن لدينا مشكلة فى أسلوب إدارة الأزمات، ليست فقط فى أزمتى رفع تذاكر المترو وتطبيق قانون التعليم الجديد.

معجم «ويبستر» يعرف الأزمة بأنها نقطة تحول إلى الأفضل أو الأسوأ، وهى لحظة حاسمة، أو وقت عصيب، أى وضع وصل إلى مرحلة حرجة، مما يستلزم مهارة عالية لإدارتها والتعامل معها، ومن ذلك نستطيع تعريف فن إدارة الأزمة من خلال الواقع المصرى على أنه عمل يجنب المخاطر المحتملة لبعض القرارات، أو تخفيف أثرها على المنظومة ككل.

وأعتقد أن فى الأزمتين الأخيرتين لم تستطع الحكومة إدارة الأزمات التى تسببت فيها، ربما يكون السبب هو عدم تبنى علم إدارة الأزمات، كحل مهم للمشكلات المتعددة التى تقابلنا، بما يوفره لنا هذا العلم من إمكانية اكتشاف المشكلة قبل حدوثها وعلاجها، واحتواء الأضرار الناجمة عنها، والاستفادة من التعلم من الخبرات الشخصية السابقة، أو خبرات الدول الأخرى فى طرق إدارة أزماتهم.

دعونا نقول إن الثقافة السائدة بين الأشخاص والمؤسسات، يصل فيها الأمر أحيانا إلى درجة عدم المشاركة بالمعلومات والحرص على عدم وصولها للأطراف الأخرى، وكأن كل هؤلاء ليسوا أبناء مجتمع واحد يتشارك الجميع فيه لهدف واحد.

كثير من القضايا والأزمات انتهى أمرها إلى فشل كبير أو عجز عن التعامل معها وإدارتها لأن القائمين عليها رأوْا أنفسهم، ومازالوا، يَرَوْن أنفسهم الأقدر والأحق فى اتخاذ القرار دون مشاركة أو مجرد استطلاع رأى، بل ويعتبرون أن وجود أى أطراف أخرى تقليل من قدرهم، على الرغم من أن التفكير العلمى يؤكد أن هذا التفكير نتيجته الوحيدة هى الفشل فى التوصل إلى أفضل النتائج.

فى أزمتى المترو والتعليم غاب عن المسؤولين إدراك أهمية فن إدارة الأزمة، ��أننا ببساطة نفتقد ثقافة العمل الجماعى. غاب مفهوم التواصل مع الجمهور، فغاب التفكير فى الحلول أو الاحتواء. قرر المسؤولون أن يصطدموا ثم «يحلها الحلال»، وهو أمر أبعد ما يكون عن التفكير العلمى الذى يؤسس لبناء مجتمع قوى وبناء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s