طريق الدم والألم المؤدى إلى النصر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أصدر البنك المركزى الإنجليزى «بنك أوف إنجلاند» منذ عامين عملة ورقية جديدة من فئة 5 جنيهات، حملت العملة على أحد وجهيها صورة ونستون تشرشل الزعيم البريطانى الراحل لتكون أول صورة لزعيم بريطانى فى تاريخ بريطانيا الحديث تطبع على عملات ورقية. ووضعت تحت صورة تشرشل عبارة القائد البريطانى الشهيرالذى قاد البلاد وقت الحرب العالمية الثانية قالها فى خطابه أمام مجلس العموم عام 1940 هى «ليس لدى ما أقدمه سوى الدم والتعب والدموع والعرق».

عُين القائد العسكرى الأهم فى تاريخ بريطانيا الحديث عند اندلاع الحرب العالمية الثانية سنة 1939 وزيراً للبحرية، ثم شغل منصب رئيس وزراء بريطانيا عام 1940واستمر فيه خلال الحرب العالمية الثانية وذلك بعد استقالة تشامبرلين. استطاع رفع معنويات شعبه أثناء الحرب حيث كانت خطاباته إلهاماً عظيماً لقوات الحلفاء. كان أول من أشار بعلامة النصر بواسطة الإصبعين السبابة والوسطى.

حصل على جائزة نوبل فى الأدب لسنة 1953 للعديد مِنْ مؤلفاته فى التأريخ الإنجليزى والعالمى، ولعل خطبه التى كان يكتبها ويلقيها بالأيام العصيبة التى مرت بها بريطانيا أثناء الحرب والغارات الجوية الألمانية الكاسحة على لندن تبرهن على أن تشرشل جمع ما بين السياسى الداهية والأديب الموهوب والقائد الذى عرف كيف يفكر شعبه ومفاتيح شخصيته وكيف يزرع فيهم من القوة ما يمكنهم من تحدى ما يبدو مستحيلا. كان الشعب البريطانى وقتها مهيأ لمثل هذا القائد، وكان هذا القائد على دراية بأسلوب شحذ همة شعبه وقيادته لتحقيق ما بدا فى وقت من الأوقات أمرا مستحيلا. لكنه هنا لم يلعب على أوتار العاطفة متجاهلا الواقع، ولم يعط وعودا غير قابلة للتطبيق، لكنه كان صريحا، أمينا، مواجها، لم يعط وعودا وإنما أعطى التزامات على نفسه مقابل التزامات على شعبه ليتمكنوا معا من تحقيق حلم كان صعب التحقيق.

عندما أنظر فى الحالة المصرية اليوم أجدها أشبه بالحالة البريطانية وقت تشرشل، وجه الشبه هنا أن بريطانيا كانت تمر وقتها بفترة صعبة، على شفا انهيار وهزيمة، اقتصاد حرب منهار، حالة تبدو ميئوسا منها. نحن اليوم فى مصر نمر بأزمة حقيقية، اقتصاد يمر بفترة صعبة وجهود كبيرة للإصلاح وإجراءات ضاغطة على معظم المصريين، حالة مواجهة داخلية مع قوى تدفع لانهيار الدولة وتمزيق المجتمع، وحرب مع إرهاب تحاول قواه أن تقضى على روح الأمل لدى المصريين. لكن وجه الشبه الأكبر هنا هو تلك الحالة النفسية والمزاجية التى مر بها الشعبان، كلاهما امتلك روح المقاومة والتحدى والرغبة فى الانتصار على تجربة وحالة تبدو فيها عناصر الفشل أكبر من عناصر النجاح. كان الإنجليز محظوظين عندما وجدوا قائدا يقودهم نحو تحقيق الانتصار.

المصريون الآن يمرون بمرحلة نادرة الحدوث، تلك الحالة من الإصرار والرغبة فى التحدى والتوحد حول هدف هو الرغبة فى الخروج من عنق الزجاجة وبناء دولة قوية يمتلك مصيرها أبناؤها. الهدف الآن هو أن تعمل القيادة على أن توحد المصريين على هدف جامعها إنه لا بديل عن الانتصار. إذا ما نجحت القيادة فى أن تشعر الجميع برغبة شديدة واستعداد حقيقى للعطاء والتوحد من أجل تحقيق الحلم فهذا هو الطريق. المصريون يريدون أن يشعروا دائماً بالثقة بأنهم قادرون على التحدى، أن يصلوا إلى تلك الحالة التى تُمكن قيادتهم أن تقول لهم كما قال تشرشل لشعبه الحقيقة، حقيقة أنهم يواجهون وضعا صعبا ومخاطر حقيقية وتجربة يعتقد كثيرون أنها لن تكون إلا تجربة فشل ورمال متحركة يغرق فيها الجميع، لكنهم قادرون أن يتخطوها ويحققوا ما يعتقده كثيرون مستحيلا بتلك الروح الجديدة والقدرة على استغلال هذه الروح. القيادة التى تواجه الشعب بالحقيقة وتضع نفسها فى مقدمة من يدفع العرق والدم والدموع، هى التى سوف تمتلك موقعها الجديرة به فى التاريخ.

لم تتوقف وعود تشرشل عند مجرد الحديث عن الألم والدم والدموع، لكنه أيضاً وعدهم «بالنصر.. النصر بأى ثمن».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s