أنت مش عارف جاى تقابل مين؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

توقفت أمس أمام خبر فى الصفحة الأولى لـ«المصرى اليوم» حول واقعة وصفها عدد من وسائل الإعلام بأنها «غريبة»، وأنظر إليها أنا من زاوية أخرى فأراها ليست «غريبة ولا حاجة»، بل هى انعكاس لحالة تعايشنا معها، حتى إننا لم نعد نلحظها. وقبل أن أشرح ما أراه، أستعرض سريعا تلك الواقعة لمن لم يقرأها كما كتبها زميلنا عمر الشيخ من بنى سويف.

القصة تقول إن مساعد وزير الصحة ورئيس هيئة التأمين الصحى قرر استبعاد مدير مستشفى التأمين الصحى ببنى سويف من منصبه، عقابًا له على حضوره اجتماعًا لمديرى المستشفيات بجميع محافظات الجمهورية تلبيةً لدعوة منه للاجتماع معه مرتديًا ملابس كاجوال «بنطلون جينز وجاكت»، رئيس الهيئة دخل القاعة مصافحًا الحضور، وعندما جاء الدور على مدير مستشفى بنى سويف ليصافحه بادره مستفسرًا: «أنت مين؟»، فرد عليه «أنا دكتور (الأسماء هنا ليست قضيتى) مدير مستشفى التأمين الصحى ببنى سويف»، فقابله رئيس الهيئة بقوله «أنت مش عارف جاى تقابل مين؟ إزاى جاى تقابلنى كده؟! اعتبر نفسك مستبعد من منصبك من الآن».

هذا هو ملخص القصة كما ذكرها الزميل، والذى عرض رد فعل الطبيب المستبعد ولَم يحصل على تفسير من مساعد الوزير، وهكذا فعل كل الزملاء الذين نشروا الخبر.

هنا أتوقف أمام الحكاية من زوايا مختلفة، أولاً فيما يتعلق بالزى الذى عوقب الطبيب بسببه، يفتح أمامنا مسألة تدنى الذوق العام، وأنا هنا لا أميل لفكرة أن ملابس الطبيب كانت متدنية الذوق، لأن «الجينز» يمكن أن يكون مستوى راقيا من الملابس، ليس بقيمته ولكن بتناسقه مع باقى الملبس، وكلنا يعرف ما يسمى «سمارت كاجوال» ويمكن حضور مناسبات شبه رسمية أو اجتماعية به. ولكن هذه الحكاية تسلط الضوء على ما يمكن اعتباره تدنى الذوق العام فى الملبس، كما هو فى أمور أخرى كثيرة. ويكفى أن نلقى نظرة على مصر منذ عشرات السنين من خلال الصور والأفلام القديمة، ثم ننظر حولنا لنكتشف بعد أن نقارن كيف تدهور الذوق العام. وتراجع مستوى الجمال فى كل شيء، وسادت ثقافة القبح لتحاصر كل ما خالفها. والمسألة هنا ليست مرتبطة بالغنى والفقر، لكنها مرتبطة بانعكاس لثقافة جمال أو ثقافة قبح. وأظن أن هذه إحدى المسائل التى يجب دراستها بين أمور كثيرة.

الزاوية الثانية حول «فرمان» السيد المسؤول باستبعاد موظف ليس لأنه أهمل فى عمله، وليس بسبب تدنى الخدمة التى تقدمها مستشفيات هيئته، وليس لأنه لا يملك رؤية أو خطة تطوير، وليس لأن كثيرا من الناس يعانون فى مستشفيات التأمين الصحى، وليس لأن المستوى يتراجع يوما بعد يوم، مع إصرار عجيب على التحدى بأنه ليس فى الإمكان أبدع مما هو كائن، ولكن لأن الموظف الطبيب لم يرتدِ أمامه الزِّى الذى يعتبره مناسبا للقاء معالى السيد المسؤول!! وهذه علامات تعجب قد لا يقتنع بها البعض، فقرار الاستبعاد كان لأسباب أخرى ليس من بينها مصلحة المريض.

هذا الموقف هو انعكاس لأزمة «المأسسة»، إذا صح التعبير، بمعنى امتلاك معايير مؤسسية لإدارة المؤسسات وتنفيذها بدقة وحسم، وهذا الغياب هو أحد الأسباب المهمة لحالة التراجع العامة التى نعانى منها فى المجتمع، سواء على المستوى الحكومى أو المستوى الخاص. هناك ما يمكن تسميته حالة «الفرعنة» فى ممارسة السلطة، وفِى أى مؤسسة ناجحة فى العالم سيكون السر الكبير لنجاحها هو وجود قواعد حاكمة. لا يمكن للعقاب داخل المؤسسات إلا أن يكون من جنس التجاوز، ولا يوجد، ولا ينبغى أن يوجد، المدير «الإله» الذى تعتبر مخالفته رجسا من عمل الشيطان يرجم بسببها من يختلف، الرئيس والمرؤوسون يعملون من أجل الصالح العام.

إذا ما أردنا النجاح على أى مستوى، يظل العنصر الحاكم هو القواعد والقانون الذى يضبط أداء رئيس العمل، أى عمل، قبل أن يضبط أداء العاملين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s