بدون دولة قانون لا أمل فى دولة مواطنين

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لن أملَّ من تكرار ما آمنت به بعدما وصلت إلى مرحلة أظنها أكثر نضجاً، مرت مراحل الاندفاع وراء الأفكار التى اعتقدت فى صحتها فتبعتها ودافعت عنها دون وعى فى أحيان كثيرة، لأنى ساعتها كان وقودى الرئيسى الحماس، وهذا الحماس تتم ترجمته إلى اندفاع، وهذا الاندفاع يعمى العين، دون قصد أحيانا وباختيار أحيانا، عن رؤية كل أبعاد الصورة. لذلك أعود وأؤكد قناعتى التى باتت أساسية وليست فى أجواء انفعال بأننا لسنا فى حاجة إلا إلى دولة قانون، لسنا بحاجة للحرب من أجل ديمقراطية، ولا للصراخ نداءً للحق فى حرية التعبير، ولا التصادم من أجل عدالة التوزيع، ولا الطنطنة بمفهوم المواطنة دون أن نعمل به. نعم، نحن لسنا فى حاجة إلى خوض معارك منفصلة من أجل كل هذه الأشياء، وذلك ببساطة لأن الأساس الوحيد الصالح لبناء أى دولة هو الإقرار بمفهوم دولة القانون، وتمكين إعمال (بكسر الألف) القانون. عندما يحدث ذلك فإننا ببساطة سنحصل على شكل الدولة التى نريد.

أقول هذا بمناسبة ما حدث فى كنيسة الأمير تادرس بقرية كفر الواصلين بمركز أطفيح التى تعرضت للاعتداء، حيث سرت شائعات أن الكنيسة تنوى تركيب جرس، إثر ذلك تجمهر مئات الأشخاص أمام المبنى بعد صلاة الجمعة، ورددوا هتافات عدائية، مطالبين بهدم الكنيسة. واقتحم المحتشدون المكان، ودمروا محتوياته بعد أن تعدوا بالضرب على المسيحيين المتواجدين به. كما علمنا جميعا، فإن المكان المعتدى عليه تقام به الصلوات منذ ما يقرب من 15 عاماً، وبعد صدور قانون بناء الكنائس، تقدمت المطرانية رسمياً لتغيير وضعه إلى كنيسة. إن ما حدث بكفر الواصلين جريمة نتيجة تغلغل أفكار الكراهية فى المجتمع خلال سنوات من التحريض وشحن المواطنين من حركات دينية وسياسية لتحقيق مكاسب سياسية ومادية على حساب السلم الاجتماعى. الأهم أن هذا هو تعبير عن غياب المفهوم الذى تحدثت عنه، فَلَو أن السائد هو دولة القانون لكان الوضع غير ما كان، الفيصل يجب أن يكون القانون ولا شيء غير قواعده.

إحدى أكثر الكلمات شيوعا منذ فترة هى تعبير المواطنة، وهى مفهوم أكثر منه مجرد تعبير، رغم أن البعض فى هذه المرحلة انتهك ذلك المفهوم، ولم يدرك البعض الآخر أهمية هذا المفهوم بل تعامل معه بلا فهم، وفى أحيان كثيرة بتجاهل. لعل أهم ما يجب أن نقف عنده قبل الحديث عن مفهوم المواطنة أن نحاول الربط بينه وبين مفهوم دولة القانون، فالمواطنة كمفهوم يجب أن تحكمه قواعد القانون ولا شيء غيره. ممارسة المواطنة ليست تفضلا من طرف على آخر، وليست «براً» أو «إحساناً»، بل هى التزام تحكمه القوانين وقواعده. وكذلك تحديد الفارق بين أن أكون مواطنا أو أكون مجرد واحد من الرعية. لا يمكن ممارسة الديمقراطية دون تطوير وتكريس المواطنة، ولا يمكن تكريسها دون سيادة القانون، والمساواة أمامه، ولممارسة الحد الأدنى من الحقوق، ومن ذلك المطالبة بالحقوق. فإذا كان المواطن يتوقع حقوقا سياسية بحكم كونه مواطنا، وكونه دافعا للضرائب، فإن الرعية لا تتوقع حقوقا سياسية، وإنما التعامل بالحسنى والبر والتسامح، لذلك تكون المواطنة هى المنطلق للمطالبة بالشراكة الحقيقية فى الوطن، فغياب المواطنة يقوض من صحة العلاقة القائمة بين المواطن والدولة، فى عصرنا الحالى تشتق جملة من حقوق الفرد من مواطنته، أى من كونه مواطنا فى الدولة، وبذلك تكون دولة القانون هى دولة المواطنين.

حاولت الدولة تأسيس مفهوم الدولة المدنية، وكان ذلك استجابة لبعض التوجهات داخل الدولة، لكنها لم تكن ناضجة ومؤثرة بشكل كاف حتى الآن، تم تعديل الدستور عام ألفين وسبعة، وأصبحت المادة الأولى من الدستور المصرى تنص على أن: «جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة»، وحمل الدستور الأخير نفس المعنى. لكن ما أعاق الحضور الجدىّ لمفهوم المواطنة كحقيقة حياتية هو ذلك الغياب لدولة القانون كحقيقة جادة. البعد القانونى للمواطنة يشمل المساواة بين المواطنين فى الحقوق والواجبات دون تمييز بينهم بسبب الدين أو العرق أو اللون أو الجنس.. إلخ، يعنى ذلك إزالة كل النصوص التمييزية من القوانين المعمول بها، وأن يكون لجوء المواطن إلى مؤسسات العدالة ميسوراً غير مكلف بالنسبة له، وأن تتوافر معايير العدالة المتفق عليها دولياً فى عمل هذه المؤسسات. ويتوازى ذلك مع إعمال (بكسر الألف) القانون بحق وتمكين المواطن من العيش فى ظله وفِى حماه بحق.

بالطبع، تترتب على التمتع بالمواطنة منظومة من الحقوق والواجبات ترتكز على قيم محورية هى:‏ قيمة المساواة وقيمة الحرية وقيمة المشاركة والمسؤولية الاجتماعية،‏ وهذه القيم أيضاً لا تعرف مكاناً بالمجتمع المصرى. وهذا موضوع آخر يطول الحديث فيه.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s