المفاجأة الحقيقية هى أن يتفاجأ العرب

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لماذا اتخذ ترامب قراره فى هذا التوقيت؟ وهل رد الفعل العربى والإسلامى المتوقع يمكن أن يؤثر على القرار؟.. هذه أسئلة من كثير، تدور فى الأفق دون إجابة نرضاها حتى الآن.

القرار كان متخذًا منذ العام ألف وتسعمائة وخمسة وتسعين، أى كان على أجندة الرؤساء الأمريكيين منذ ريجان، وكان التأجيل يرتبط بعدم التأثير على جهود التسوية منذ مؤتمر أوسلو، لم يتمكن رئيس أمريكى من تنفيذه حتى سمح الوضع الفلسطينى الممزق والحالة العربية المشتتة بتنفيذه من قبل ترامب.

حالة المفاجأة التى أصابت العرب هى فى حد ذاتها مفاجأة، الرجل لم يخفِ نيته حتى قبل أن يدخل البيت الأبيض، ترامب أعلن موقفه بوضوح سواء خلال الحملة الانتخابية أو طوال الأسابيع الماضية. بعض الاتصالات من قبل قيادات عربية وقت تولى منصبه نجحت فى أن تقنعه بالتأجيل، ويبدو أنه استمع إلى هذا النصح فى ذلك الوقت إضافة إلى تقديرات عدد من مساعديه وبعض الأضلاع المشاركة فى صناعة القرار هناك. لكن ذلك لم يكن يعنى فى أى وقت، استمرار لا نهائى لتعليق القرار الذى اكتسب شرعيته وحصانته أمريكياً منذ صدوره منذ أكثر من اثنتين وعشرين سنة، ويبدو أن هذا الاقتناع بالتأجيل لم يصمد كثيراً. أيضا تجدر الإشارة هنا إلى أن الرأى العام الأمريكى «المهتم»، إن لم يكن مؤيداً للقرار فهو غير معترض عليه. أيضا من المهم أن نتذكر دائماً أن الكتلة الرئيسية المؤيدة لترامب هى اليمين المسيحى الإنجيلى المتشدد الذى يؤمن عقائديا بإنشاء إسرائيل الكبرى كخطوة قبل عودة السيد المسيح.

إذن المسألة ليست فيها مفاجآت، بل أؤكد أن هناك شخصيات بعينها قد التقت الرئيس الفلسطينى منذ أشهر وأبلغته بأن تنفيذ القرار قادم قبل نهاية العام. وإذا كانت المعلومة قد وصلت إليه، فالأكيد أنها وصلت إلى غيره من القيادات فى المنطقة. رغم كل إشارات الإنذار المبكر، لم يدرك العرب كيف يمكن تفادى «الواقعة» أو الاستمرار فى تأجيلها. نجح الفلسطينيون والعرب فى تهيئة الأجواء للرئيس الأمريكى ليفعل فعلته، فلا يمكن فهم قرار ترامب دون أن نربطه بالتطورات الحاصلة فى المنطقة. تنازع الجميع على أساليب الحل، أو تحريك عملية السلام، وتوزع العرب بين سبل متقاطعة الرؤية. ولكن كانت النتيجة أن توارت المبادرة العربية التى مثلت حداً أدنى اتفق عليه العرب يوما ما، وحل محلها أحاديث غير واضحة المعالم عن صفقة أو صفقات بدت مبهمة، وإن حملت وصف «صفقة القرن»، ويبدو أنها ستكون كذلك على حساب العرب، فالجواب «يبان من عنوانه».

وتوازى ذلك مع إعادة ترتيب أولويات الخطر فى المنطقة، ونجحت أمريكا فى وضع «الخطر الإيرانى» على رأس القائمة، وأصبحت إيران هى العدو الرئيسى، ليس هذا فقط، بل باتت الراية السنية فى مواجهة الراية الشيعية وخلفهما تحتشد الحشود. وفِى غمار هذه الحالة تاهت الأولويات الحقيقية وحلت محلها أولويات فرضت على المنطقة. ولا نبرئ هنا إيران على الطرف الآخر، التى عاثت فى المنطقة، يسوقها الحلم فى أن تكون الدولة الإقليمية العظمى لتستعيد بذلك حلم الإمبراطورية. ولم تبتعد تركيا عن ذلك كثيرا فى ظل تنافسها من أجل إقامة الإمبراطورية العثمانية. أما الدول العربية فقد تضاءلت مطامعها ومطامحها إلى حدود البقاء على قيد السلطة والسلطان. إذن، ضاعت الأولويات وتاهت الرؤى وعجزت القيادات عن رؤية الخطر القادم ولم يتعاملوا معه.

ولكن، هل الفلسطينيون أبرياء مما حدث وسيحدث؟ الإجابة قاطعة بمسؤوليتهم الكاملة، وصلت القيادات الفلسطينية على الساحة فى مختلف الأطراف إلى مرحلة عدم الصلاحية، وبات البسطاء ينتظرون إفرازا جديدا لقيادة حقيقية معبرة عن الشارع والواقع.

باطمئنان، يمكن التأكيد على أن ما حدث فى القدس هو نتيجة لحالات الانقسام والتشرذم داخل الساحة الفلسطينية وعدم إتمام المصالحة بالرغم من الفرص الكبيرة التى أتيحت. رغم كل ما تمر به القضية الفلسطينية من إجراءات لتصفيتها وتقزيمها، فلا تزال حماس وفتح بأجنحتهما يعرقلان المصالحة. مصر قامت بدور كبير لتحقيق المصالحة الفلسطينية الحقيقية، ولكن قدرات كل القيادات الفلسطينية، مشاركين ووسطاء، لم يعودوا هم القادرين، للأسف، على التلبية.

إدراك الرئيس الأمريكى وإدارته للحدود الضعيفة والمحدودة للموقف العربى من اتخاذ مثل هذا القرار وتقدير دوائر صنع القرار الأمريكية محدودية ردود الفعل، كل هذا كان داعماً لاتخاذ القرار باطمئنان.

والسؤال: هل يملك العرب والدول الإسلامية اتخاذ مواقف تؤثر على قرار ترامب؟ ليس هناك مستحيل إلا ما نتسبب نحن فيه. الوقت متأخر جداً، ولكن يجب استمرار الحركة والعمل. تحريك عقارب الفعل عكس كل ما ذكرت قد يفيد فى دفع الأمور بشكل إيجابى. سمعنا ونسمع عن اقتراحات عدة، ولكنها تظل بلا قيمة حقيقية دون الدخول فى نسق متكامل من الأفعال فى إطار علمى وعملى. من المهم جداً استمرار ردود الفعل الشعبية وتطويرها فلسطينيا وعربيا ودوليا، على أن يتم توظيفها فى ظل مشروع أكثر علمية وواقعية ومحددة الأهداف. وبالتالى أتصور إيجاد وسيلة لجمع الأفكار المتناثرة هنا وهناك، وتحديد الصالح منها وتطويره فى إطار جمعى واع بحق.

الشعب الفلسطينى عبر ويعبر عن غضبه، ومعه شعوب العالم. يجب أن ندفع مستوى التعبير إلى أقصاه، وأن نستغل هذه الحالة محليا وإقليميا ودوليا، التحرك العملى والعلمى هو الطريق، ليس الوقت وقت إلقاء اللوم على أى طرف، وهم كُثر، ولكن يجب أن نتجاوز ذلك إلى مرحلة الفعل. هذا الفعل لن يكون مؤثرا وفاعلا ما لم ينجح الفلسطينيون فى توحيد صفوفهم. هذه هى المهمة الأولى. القدس لن تضيع طالما سينجح الفلسطينيون فى نبذ الانقسام، بدون الوحدة الفلسطينية، لن يتمكن العالم من التعاون معنا للحفاظ على القدس. الشعب الفلسطينى يبحث عن صياغة جديدة ومفهوم جديد لقيادة المرحلة المقبلة، وهذا موضوع يجب أن يكون حاضراً ضمن أولويات المرحلة المقبلة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s