أسئلة صعبة للإجابة عليها إن كنّا جادين

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

عقب الحادث الإرهابى الذى أدى إلى استشهاد أكثر من ثلاثمائة مصرى على أيدى الإرهابيين أطفأ برج إيفل أضواءه وشاركه إطفاء الأنوار معالم عالمية أخرى، وندد الرئيس الأمريكى ترامب وندد معه عديد من زعماء العالم، بمن فيهم التركى والقطرى، وأصدر أمين عام الأمم المتحدة بيان إدانة، وكذلك فعل رؤساء المنظمات الدولية والإقليمية. وعلى الطرف الآخر يقف الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى معزياً شعبه، مضيفاً فى غضب أن مصر تقف وحدها لتحارب الإرهاب نيابة عن العالم. وهو هنا يعبر عما يشعر به المصريون من غضب ومرارة وأيضاً إحباط بسبب الموقف العالمى الذى لم يترجم تعاطفه وبياناته إلى شكل عملى ملموس لدعم مصر فى حربها ضد الإرهاب. أظن أننا بحاجة ماسة إلى إيجاد طرق مختلفة لترجمة التعاطف الدولى اللفظى إلى دعم فى حربنا ضد الإرهاب التى نخوضها نيابة عن العالم، ولَم يترجم هذا العالم اقتناعه، إن كان قد حدث بعد، إلى إجراءات عملية.

لنصل إلى هذه النتيجة علينا البحث عن مكمن الخلل فى تقديم واقعنا إلى عيون وآذان العالم. وهنا أعنى العالم سياسياً وإعلامياً، أعنى مؤسسات الحكم والقرار وأقصد الرأى العام الذى يحصل على معلوماته من وسائل إعلامه التقليدية أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعى. إذا كان الخلل فى رؤية العالم الخارجى لموقفنا يتواجد فقط فى بلد هنا أو هناك فهمنا بسيط، لأن هذا يعنى أن معظم العالم يعلم بموقفنا إلا أجزاء لأسباب يمكن حصرها والتعامل معها، لكن المهم أن صورتنا وقصتنا صحيحة ومعروفة لمعظم دول العالم. أما إذا كان الوضع هو فهم مختل لموقفنا فى معظم دول العالم، فهنا تكمن المشكلة. وقتها يجب أن نكون أكثر صراحة ووضوحا فى مواجهة الواقع والاعتراف بأن لدينا خللا فى أساليب تواصلنا مع الآخر.

كنت فى لندن وقت وقوع الحادث الإرهابى الأخير فى مسجد الروضة، واحتل الخبر مقدمة النشرات الإخبارية الإنجليزية، وكذلك صحف الأيام التالية، ولاحظت حجم الغياب الكبير للرؤية المصرية للحادث والواقع المصرى، واحتل مقاعد التحليل، إلا قليلا، أشخاص معروفون بمواقفهم السياسية المسبقة من مصر ونظامها الحالى، سواء من الإنجليز أو العرب أو المصريين، وكانت مناسبة للترويج لمواقفهم السياسية المناوئة. وغاب أى صوت معلوماتى مرتبط بالواقع المصرى، كما غابت الأصوات من داخل مصر بلد الحدث، واختفى المسؤولون خلف أبواب لا يعلمها الإعلام.

وعندما تابعت بعض وسائل الإعلام الدولية الأخرى لم يختلف الوضع كثيرا. معظم وسائل الإعلام غاب عنها الصوت المصرى، فيما عدا مقاطع من كلمة الرئيس السيسى التى وجهها إلى المصريين فى أعقاب الحادث. والملاحظ أن معظم- إن لم يكن كل- وسائل الإعلام الغربية قد استخدمت تعبير «مسلحين» militants أو «جهاديين» jihadists فى وصفهم للإرهابيين الذين قاموا بتلك الجريمة.

لاحظت أن لوما وجهته عديد من الأقلام والمسؤولين إلى الإعلام الغربى فى تغطيته للحادث، وأنا بدورى أسجل لومى واستنكارى لهذه التغطية والتناول الذى لا يعكس الواقع الحقيقى. ولكنى هنا أتوقف لأتساءل: هل هم وحدهم الملومون؟ إذا كان الخلل من جهة واحدة فقط لكان اللوم وحده على الجهة، لكن إذا كان الخلل متعدد الاتجاهات، فنلوم الـ«بى. بى سى» البريطانية وأيضا نلوم الـ«سى. إن. إن» الأمريكية فى ذات الوقت، ولا بأس بلوم الألمان والإسبان والطليان. هنا يكمن الخطأ والخطر.

هنا دلالة واضحة على أننا نعانى من قنوات منسدة بيننا وبين الآخر، أو أن ضبابا كثيفا يحيط بمواقفنا. إن اكتفينا هنا بلوم الآخرين «المتآمرين»، وهم هنا أصبحوا معظم العالم، فإن هذا موقف مريح يمكننا بعده أن نذهب مرتاحى البال وننام بعمق لأن المؤامرة كبيرة علينا.

ولكن إن أردنا أن نتجاوز هذه الحالة ونصدق أنفسنا فى التعامل مع صورتنا فى العالم وأسلوب حديثنا إليه واهتمامنا بنقل صورة حقيقية وفتح قنوات متعددة متوازية ومتعاونة، فإن هذا موضوع آخر، إن قررنا سلوك هذا الطريق فسوف يكون هذا إحدى علامات الجدية والفهم للتعامل مع مشكلاتنا.

أذكر عندما كان الإخوان فى الحكم، ذلك العام الذى عانت منه كل مصر، كان بادياً مستوى إدراكهم وفهمهم لأهمية الإعلام والتواصل. يوم أعلن مرسى الإعلان الدستورى الذى قلب مصر وقتها، حكى لى أحد المسؤولين عن القسم الخارجى فى إحدى الصحف البريطانية الكبيرة كيف أن وفوداً متعددة من أعضاء الإخوان المدربين على الحديث والمصحوبين ببعض إخصائيى الاتصال والعلاقات العامة البريطانيين قد ذهبت كل مجموعة منهم إلى إحدى الصحف أو وسائل الإعلام الكبرى أو مراكز البحث وبعض اللجان البرلمانية ليشرحوا وجهة نظرهم فى الإعلان وأهميته ولماذا صدر. كانوا يحملون الباطل وقتها ولكنهم استخدموا الوسائل الصحيحة للترويج فنجحوا فى بيع الباطل. وكانوا يفعلون ذلك فى كل مناسبة لضمان أكبر قدر من الفهم لموقفهم، وبالتالى النقل للرأى العام المواقف من زاويتهم. نحن نمتلك الحق والحقيقة ولا ندرك كيف نروى قصتنا.

أما موضوع السوشيال ميديا، فهذا موضوع آخر كبير. لن أناقش الآن حدود تأثيره وكيفية إدارته فى مناطق الدولة المختلفة، وما إذا كانت هذه الإدارة علمية وصحيحة وتحقق الهدف الحقيقى منها أم أنها مجرد منصات للاشتباك قصير النظر.

ولن أناقش إذا كانت هناك استراتيجية تجمع كل هذه المجموعات، أم أنها تتنافر وتتنافس أكثر مما تتعاون، وإن كانت هناك استراتيجية من الأساس.

ولكنى اليوم سأكتفى بطرح سؤال واحد أتمنى أن تكون الإجابة عليه إيجابية، لأنى لا أعرف الإجابة بدقة، وإن كنت أخمنها: هل لدينا حضور منظم واستراتيجية واضحة للتواجد على منصات التواصل الاجتماعى إقليميا وخارجيا؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s