ليس حديثاً عن رسوم الطرق!

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لن أملَّ من الحديث عن أهمية التواصل وإيجاد لغة مشتركة للحوار والتفاهم، وأيضاً لغة فى حال الاختلاف، بل وقواعد للاختلاف فى حال حدوثه. واليوم ألتقط حالة لشرح جزء مما أقصد، وسأعتبرها «بياناً على المُعلم»، كما أتذكَّرها من أيَّام المدرسة العسكرية وخدمتى فى الجيش.

ثار جدل متعدد الأطراف حول مسألة رسوم الطرق، ولأن هذا الجدل بدأ فى هذه الجريدة التى أشرف بتولى مسؤولية العضو المنتدب بالمصرى اليوم، فإننى أجد لزاماً علىَّ أن أناقش ما دار فيها كبيان عملى. بدأ الجدل من خلال العمود اليومى فى الصحيفة الذى يُوقَّع باسم «نيوتن»، واعتاد صاحبه أن يلقى الكثير من الأحجار فى مياه تبدو راكدة، وأحياناً تتسبب فى عواصف. تحدَّث الرجل (نيوتن) عن مسألة رسوم الطرق بعد تطويرها الذى أشاد به، وقد يكون قد أغضب بعض مستخدمى الطرق عندما اعتبر الرسوم منخفضة وطالب ضمناً بزيادتها (وهذا أمر ممكن تفسيره بتفصيل فى مقال أخر)، لكنه أشار إلى ظاهرة عدم وجود قواعد واضحة و«مرتجلة»، كما وصفها، على سيارات النقل مما قد يفتح باباً لفساد الدولة تحاربه بجدية واضحة. بعدها بأيام تناول الموضوع الدكتور أسامة الغزالى حرب فى عموده اليومى بـ«الأهرام»، وقال المعنى ذاته، مستشهداً بما قاله «نيوتن» فى مقاله: «إن أبسط الأمور المفترضة هنا هو وجود قوائم محدَّدة ومُعدَّة سلفاً ومعروفة.. وفقاً لمعايير واضحة، مثل حجم السيارة ووزنها… إلخ». وكما نرى فإن ما يدور هو حوارٌ يبتغى المصلحة العامة. بعدها ينشر الدكتور الغزالى رداً منسوباً إلى الشركة الوطنية للطرق، كما بدا من العرض أنه بدون اسم مسؤول بعينه فى الشركة، وهنا تبدأ الملاحظات على أسلوب التعامل الذى بدا فى جزء منه فوقياً؛ فهو يرد على مقال «الأهرام» ويشير إلى مقال «المصرى اليوم» كما يلى: «ما ذكره (نيوتن) بخصوص طريقة تقدير الرسوم على الطرق من معلومات غير دقيقة، وتجاوزه فى أسلوب عرض الموضوع، والذى لم نُعِرْه الاهتمام..»، وهنا التجاوز الأول يكمن فى تجاهل «الشركة الوطنية» الرد عندما نُشِرَ فى وسيلة بعينها وكأنها غير جديرة بالرد، بل استخدم تعبيراً يحمل فى طيَّاته استهانة وعدائية للوسيلة عندما قالت «الشركة الوطنية»: «لم نُعِرْه الاهتمام» (!!!)، وهذه مشكلة أخرى فى أسلوب تعامل بعض مؤسسات الدولة مع الإعلام. وهنا فى الحقيقة تناقضٌ كبيرٌ، أحياناً تبالغ بعض المؤسسات فى الاهتمام إلى درجة «الرعب» وأحياناً أخرى «لا تعيرها اهتماماً»، والصحيح الذى دائماً نقوله وعلم الاتصال يؤكده هو أن يكون هناك أسلوب علمى وقياس معروف للتعامل مع وسائل الإعلام وليس اعتماد المزاجية والحكم المسبق.

زاوية أخرى فى إطار تحليل الموقف: عندما اتفق الكاتبان نيوتن والغزالى على أن المطلوب هو وضع قواعد- وفقاً للقانون- واضحة ومحددة سلفاً، وهو كما نرى مطلب شرعى ومقبول، فإن «الشركة الوطنية» لم «تُعِر اهتماماً» للرد على هذه المطالبة المشروعة والمقبولة، بل انصبَّ الرد على تأكيدات لا تحمل معلومات: «كل ما يُحصَّل يؤول مباشرة إلى خزينة الدولة، ولا مجال مطلقاً للمبالغة أو العشوائية فى التقدير، فكلها أمور محسومة بالقانون»؛ فلم يذكر قانوناً ولم يُحدِّد لوائح. وعندما حاولت البحث فى حدود المتاح على الإنترنت عن هذه اللوائح أو القواعد لم أنجح فى أن أجدها. وفيما أظن أن الطبيعى أن تكون هذه اللوائح والقواعد موجودة فى كل نقطة تحصيل رسوم. وكان يمكن أن ينتهى الموضوع كله لو احترمنا الحق فى المعرفة، ولو تواضعنا فى الرد حتى على من قد يخطئ؛ لأن الصورة ليست واضحة بالكامل.

لا أريد أن أنجرَّ إلى منطقة مناقشة رسوم الطرق؛ لأنها ليست الموضوع، لكن الموضوع هو أهمية إيجاد قواعد مشتركة للحوار والحديث والاختلاف بين الدولة بمؤسساتها المختلفة وبين الوسائل الإعلامية دون مواقف مسبقة، ودون تجريح، ودون تعالٍ، ودون نوازع ترتبط بالتفضيلات الشخصية، ودون تجاهل أو إهمال، وأيضاً دون تزيُّد فى الاهتمام يصل أحياناً- كما قلت- إلى حد الرعب.

من بين أزماتنا الأساسية افتقاد مثل هذه القواعد على الطرفين.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s