العائش فى الحقيقة

مقال بقلمعبد اللطيف المناوي

تمر فى حياتنا- أفراداً وشعوباً- شخصيات تترك فينا ولنا آثاراً تعيش فينا، وتُشكِّل حاضرنا ومستقبلنا، وقد يستمر هذا التأثير إلى نهاية حياة الأفراد، ونهاية تاريخ الشعوب.

ليس مهماً كم يطول عمر من يمر فى حياتنا ليؤثر فينا- أفراداً وشعوباً- وليس مهماً كم بقى معنا وبقينا معه، فالتأثير بالتكوين والتشكيل هو فعل لا يرتبط كثيراً بحدود زمنية. وهكذا يمر علينا كثيرون- أفراداً وشعوباً- تطول فترة البقاء أو تقصر، ولكن لا يبقى معنا إلا من شكّل حياتنا.

فى الحضارة المصرية القديمة، دائماً استوقفنى ذلك الجمال، وتلك المثالية القصوى فى التعبير عن فراعنة مصر وحكامها، سواء فى النقوش أو التماثيل، نرى أشخاصاً مثاليى التكوين والأبعاد بدرجة يكون مبالغاً فيها فى الرغبة فى تقديمهم فى صور أقرب إلى المقاييس المكتملة لصورة الرجل أو المرأة، فمن منا رأى تمثالاً أو نقشاً لفرعون بدا فيه فى غير تلك الصورة المثالية؟ أظن لا أحد منا يمكن أن يدَّعى ذلك، إلا فى حالة واحدة: حالة أخناتون. ذلك الفرعون الذى حكم مصر 17 عاماً فى الفترة ما بين 1353/1336 قبل الميلاد، حكم منها خمسة أعوام باسم أمنحتب الرابع، قبل أن يعلن التوحيد فى مصر وكل البلاد التابعة لها، ويغير اسمه إلى أخناتون. هذا الفرعون الذى حكم تلك الفترة البسيطة، اختار أن يواجه شعبه وإلهه، وأن يقف أمام التاريخ بصورته الحقيقية دون تجميل أو تزييف، اختار أن يظهر فى لوحاته وتماثيله برأسه المستطيل، ورقبته الطويلة وشفاهه الغليظة، اختار أن يواجه الحقيقة مدركاً أن الحقيقة هى جوهر ما يعرف، ويمكن أن يُعْلِم به الآخرين، حتى إنه عندما كان يناجى إلهه كان يصف نفسه بأنه «العائش فى الحقيقة»، ثم اتخذ ذلك وصفاً له.

اعْتُبر أخناتون هو مؤسس الوحدانية فى مصر القديمة، ومنع تقديم القرابين البشرية التى كانت تقدم إلى الآلهة فى المعتقدات المصرية القديمة، ومنع صيد الحيوانات لمجرد المتعة، وغيَّر عاصمة البلاد طيبة إلى مدينة «أخيت- أتون» بتل العمارنة، ووصفها فى نصوصه بـ«المدينة الطاهرة». بعد موته عادت العاصمة إلى طيبة، وأهمل اسم أخناتون فى القوائم الرسمية التاريخية، وسموه «المهرطق»، وعادت نقوش وتماثيل الفراعنة كما كانت مثالية وجميلة، يبدو فيها الفراعنة فى أجمل صورة وأقوى حالة، لا يظهرون كبشر عاديين يمكن أن تكون أنوفهم طويلة أو رؤوسهم غير متناسقة، وأيضاً لا يظهرون كبشر يخطئون ويصيبون، وبشر يشعرون بالضعف، ويعترفون بكونهم ليسوا كاملين.

قد يكون أخناتون الأقل صوتاً بين كل هؤلاء الفراعنة، قد يكون المُهْمَل فى مراحل تاريخية عديدة، قد يكون أقل جمالاً فى شكله وصوره وتماثيله التى اختار أن تكون كذلك، ولكن المؤكد أنه الأكثر إنسانية، والأكثر حضوراً بين الناس. قد يهاب البشر تمثال رمسيس الثانى القوى المحارب، ولكنهم بالتأكيد يشعرون بالحب والألفة والإنسانية عندما يرون تمثالاً لأخناتون الذى يشبههم. ما يوازى أهمية أخناتون الحاكم والموحد الأول فى نظرى هو أخناتون الإنسان، البشر، المعلم.

ليس درساً فى التاريخ، ولكن لا أدرى لماذا احتلت ذهنى صورة أخناتون وسيرته، كلما مرت مرحلة صعبة أعتقد فى استحضاره، وكأنى أريد أن أتذكر أثر البشر فى تاريخنا- أفراداً وشعوباً- وكيف يمكن لهم أن يحفروا فينا ويشكِّلوا حياتنا ومستقبلنا دون ضجيج، وأن يعلمونا أن نعيش الحقيقة، حتى بعدما يغيب «العائش فى الحقيقة».

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s