قليل من التنوير كثير من العنف (2)

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

الاستعراض السابق لتاريخ الجماعات الجهادية، والكتب التى صاحبت ظهورها، ومُنظِّريها، يكشف مدى التطور الذى حدث فى أفكار الجهاديين، ومدى انتشار هذه الأدبيات، التى يكفى فقط أن نكتب اسم إحداها على محرك البحث جوجل لكى نكتشف مدى انتشارها ووصولها إلى كل يد.

فى المقابل، تغيب إلى حد كبير أى كتب أخرى تفند تلك الكتب، بل يمكن القول إنه لا توجد تجربة متكاملة للرد على هذه الكتب إلا ما قدمته قيادات الجماعة الإسلامية فى مصر، فى مراجعاتها، التى بدأتها عام 1997، وانتهت منها مطلع القرن الجارى، وكنت شاهداً عليها، والتى تفند فيها الأفكار التى آمنت بها، وحرّكتها لاغتيال السادات.

استغرق إعداد هذه المراجعات سنوات داخل السجون، لكنها كانت كافية لإنقاذ آلاف الشباب من براثن الجهاديين، وقد كتبتها مجموعة من القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية، ومنها «تسليط الأضواء على ما وقع فى الجهاد من أخطاء»، و«حرمة الغلو فى الدين وتكفير المسلمين»، و«النصح والتبيين فى تصحيح مفاهيم المحتسبين». تمت هذه المراجعات تحت إدارة وإشراف المرحوم اللواء أحمد رأفت، الذى شغل منصب نائب رئيس جهاز أمن الدولة، والذى أعتبره من صفوة المسؤولين المصريين فى مختلف الأماكن والمواقع، وأحد أكثرهم فهماً ومزجاً لمفهوم الأمن بالسياسة والاقتصاد وثقافة المجتمع، رحمه الله.

وعلى الرغم من الانتقادات التى وُجهت لهذه المراجعات، وعلى الرغم من الردة التى حصلت لبعض أعضاء الجماعة الإسلامية، من المُوقِّعين على المراجعات والمشاركين فيها، عقب صعود الإخوان للحكم فى مصر، والانفلات الذى حدث خلال تلك الفترة، تبقى تلك المراجعات واحدة من أهم الأدبيات التى يمكن الرد بها على أفكار التنظيمات الجهادية.

قدمت جماعة الجهاد- مع أحد أشهر رموزها، وهو الدكتور فضل، مؤلف كتاب «العمدة فى إعداد العدة»- مراجعات أخرى، وكنت قد التقيت به عدة مرات وهو مازال فى السجن وقتها، لكن هذه المراجعات لم تلقَ انتشارا كبيراً، خاصة أنها حدثت قبل الحراك السياسى فى 2011 فى مصر، وهو ما جعلها لا تصل بشكل كاف.

لكن بخلاف هاتين التجربتين، لم تقدم النخبة العربية- سواء الإسلامية أو الثقافية- أى ردود موازية لأدبيات وتنظيرات التيارات الجهادية، التى كانت حريصة طوال الوقت على أن يصاحب صعودها كتاب يبدو بمثابة دستور لها، توزعه على أعضائها، لتقنعهم من خلاله بالعمليات الإرهابية التى يقومون بها.

غابت النخبة العربية تماماً، وغاب دورها- وهذا إذا كان اعترافا قاسياً فإنه اعتراف ضرورى- عن الوقوف بشكل كاف أمام صعود الحركات الجهادية، القادمة فى الأساس من بطون كتب غائصة فى التاريخ، لم تجد مَن ينقحها أو يعيد قراءتها، أو يتصدى لها بالبحث والنقد والتشريح والتوضيح، لأجيال جديدة صاعدة لا تجد أمامها إلا أدبيات الجماعات الجهادية فى كتب وفضائيات ووسائل تواصل اجتماعى وعلى ألسنة أئمة المنابر.

وهذا هو الدور الأهم فى تاريخ العرب، وفى تاريخ النخبة العربية، التى يتعين عليها أن تبادر على الفور به، فإذا كنا جميعاً نعرف موطن الداء، فعليكم أيها التنويريون بالدواء، إن كُنتُم تسمعون.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s