جدل حول واقع عمره أكثر من عشر سنوات!

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

«ادفنونى معاه» كان هذا الصوت يشق الصرخات المنطلقة، كان صوتاً لامرأة ترتدى السواد، شعرها أشعث، وجهها مترب مُحْمَرّ جراء اللطم على الخدود. كنت طفلاً أسير وقتها بجانب جدى، الذى كان ذا مكانة كبيرة بين أهل قريته، وكان حريصاً على صحبتى له فى كل الأوقات، ومن بين هذه الأوقات التى أتذكرها كان وقت تلك الجنازة لأحد أبناء القرية. لم يتمكن الحاضرون من تهدئة صراخ السيدة المكلومة فى زوجها، وكانت المحاولات المستمرة لتهدئتها تأتى بنتائج عكسية، كلما اقتربت الجنازة من المقبرة ارتفع صراخها، وكلما حاولوا إثناءها عن الاقتراب من المقبرة أصرت على الصراخ والمقاومة من أجل الوصول إلى المقبرة حيث يُدفن زوجها، أظنه مشهداً متكرراً قد يكون مر بالكثيرين منا، قد يكون شاهده فى حياته، أو على شاشات السينما، ما أذكره جيداً كان موقف جدى، الذى شق الصفوف وقتها نحو السيدة وطلب ممن يحيطون بها أن يتركوها، وذهب إليها وظنت هى أنها محاولة جديدة لإثنائها عن رغبتها فى أن تُدفن مع زوجها، ولكن ما حدث أن جدى ذهب نحوها وتحدث معها بحسم صارخاً فيمَن يمسكون بها: «اتركوها»، ووجّه كلامه نحوها: «تريدين أن تُدفَنى معه، تعالى»، وأمسكها من يدها جاذباً إياها نحو المقبرة التى استقر فيها جثمان زوجها، قائلاً لها: «اتفضلى، ادخلى إلى المقبرة عبد اللطيف المناويحتى نغلقها» تسمَّرت المرأة مكانها للحظات، ولم نرَها إلا وهى تهرول متراجعة، واختفى الصوت العالى والصراخ.

تظل حكمة الشيوخ هى خبرة السنوات والبشر، ولو أننا استحضرنا هذه الحكمة فى تعاملاتنا السياسية لكان الوضع أفضل كثيراً، فليس أفضل من كشف حقيقة الأمور إلا مواجهتها، وليس أمضَى من اختبار الأفكار إلا محاولة تطبيقها على الأرض، وليس هناك طريق كاشف لجدية وتأثير الآراء إلا إعلانها ومناقشتها.

هذه الحقائق البسيطة ظلت غائبة عن ممارساتنا السياسية وقتا طويلا، وأدَّعى أنها مازالت غائبة بنسب ودرجات متفاوتة، ظل الأسلوب الأمثل فى التعامل مع الأفكار المختلفة والاتجاهات المعارضة هو إما كبتها أو تجاهلها أو التسفيه منها، وكل هذه المواقف هى تعبير عن خوف من مواجهتها، تصوراً لحجم أكبر لها، أو شكاً فى قدرات ذاتية يمكن أن تكون قادرة على مواجهتها، أو تعبيراً عن حالة عجز حقيقى يُخشى- بضم الياء- أن تنكشف إذا ما سُمح لهذه الأصوات وهذه المعارضة بأن تتواجد.

هذه الحالة خلقت صورة غير حقيقية لكل الآراء والاتجاهات المغايرة للحالة السائدة، فبَدَت هذه الآراء وهذه القوى فى صور هى على غير حقيقتها، واكتسبت مظاهر قوة لا تعكس قوة حقيقية، وامتلكت أصواتاً أعلى من حقيقتها بكثير، وشكلت فى بعض الأحيان خرافة قوة وتهديد.

أنا هنا لا أقلل من شأن تلك القوى والاتجاهات والآراء، فمن بين هذه القوى والاتجاهات والآراء ما هو جدير بالتصديق والاحترام، بل الاعتقاد فيه، ولكننى هنا أنتقد تلك الحالة من التضييق والمنع التى تحُول بين هذه الآراء والقوى والتيارات وبين أن توجد، وتعلن عن نفسها وتوجهاتها، من خلال كافة الوسائل المتاحة سياسياً وإعلاميا، فهذه الحرية، وهذه المساحة المفتوحة والحرة، سوف تعطى الفرصة لنا لنعرف حدود قوة كل الأطراف وحقيقة الأفكار المُتَبَنَّاة، ويمكننا وقتها التأكد ليس فقط من قوة هذه التيارات والاتجاهات والأفكار، بل أيضاً من قوة الأنظمة وصدقيتها وشفافيتها. ويمكننا أيضاً أن نتأكد مما إذا كانت السيدة سوف تنفذ رغبتها الصارخة فى الدخول إلى المقبرة، أم أنها سوف تولِّى الأدبار.

منذ ما يزيد على عشر سنوات كتبت فى هذا الموضوع وهذا الواقع، ويواجهنى تساؤل: هل اختلف الوضع كثيراً؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s