معركة كسب الآخر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لم يقتنع بعد الكثير من المسؤولين وصانعى القرار بأهمية التواصل بشكل علمى مع الجمهور المستهدف، سواء كان هذا الجمهور داخليا أو خارجيا. أقصد هنا بالشكل العام وجود خطط واضحة وتحديد أهداف وأساليب قياس. وهذا يعنى بالضرورة التعامل مع المختصين فى هذا Abdul-Latif-Al-Minawiالمجال، شركات وخبراء ومؤسسات. وهذا أيضاً يعنى تكلفة مازال بعض المسؤولين العرب يعتبرون أنها أموال ضائعة بلا جدوى.

أتذكر هذه الحقيقة عندما أطالع نتائج الاستقصاءات التى تجرى فى دول الغرب، خاصة الولايات المتحدة، حول أى من الموضوعات المرتبطة بالمنطقة، قضايا أو دولاً، وهنا نكتشف حجم الغياب الكبير الذى نعانى منه، ونكتشف أيضا حجم الجهل الكبير لدى الرأى العام الغربى بحقيقة الأوضاع فى المنطقة.

أذكر ذلك الجدل الذى حدث بينى وبين أحد كبار المسؤولين العرب حول جدوى الصرف على خطط ومشروعات وحملات للتواصل مع المجتمعات الأخرى لبناء صورة صحيحة وتوصيل مفاهيم وشرح مواقف أمام الطرف الآخر لنكسب فهمه وتأييده. كان تساؤل المسؤول فى جدوى الصرف على هذه الخطط، وشكوكه فى أن تغير هذه الأطراف مواقفها، لأنهم، كما يُؤْمِن، لن يغيروا مواقفهم أبداً، وذلك بالطبع انطلاقا من نظرية المؤامرة التى تسيطر على أذهان عدد لا بأس به من مسؤولينا. ردى وقتها كان أن الإنفاق على مثل هذه الخطط والحملات أشبه بتدريب الحرس الخاص المكلف بحماية كبار المسؤولين، ومنهم المسؤول الذى كنت أتحدث إليه، الإنفاق عليهم لتدريبهم وتسليحهم هو أمر حتمى لمواجهة لحظة لا يتمنى شخص أن يواجهها. هذه اللحظة هى التى يظهر فيها مدى الاستعداد وحجم الاستثمار فى تدريب هؤلاء الحراس. الأمر ذاته فى التعامل مع مسألة التواصل مع الغير لبناء صورة إيجابية وكسب أصدقاء فى هذه المجتمعات بناء على الفهم الصحيح للمواقف، وبالتالى كسب توجهات إيجابية داخل هذه المجتمعات، التى كانت مستهدفة ببرامج الاتصال. هذا المكسب أو تلك القاعدة هى التى تحمى فى وقت الاحتياج، سواء وقت أزمة مطلوب مواجهتها أو وقت بناء ثقة لتطوير علاقة.

اطَّلعت مؤخراً على استقصاء قام به أحد المراكز الأمريكية حول فهم الرأى العام الأمريكى لتطبيع الأزمة مع قطر، واتجاهات الرأى العام تجاه الدول أطراف الأزمة. القراءة المتأنية للاستقصاء الذى أشرت إليه تؤكد من زوايا مختلفة أهمية التواصل مع الأطراف الأخرى فى العالم بشكل مستمر من أجل رسم صورة جديدة، أو تصحيحها، أو التأكيد عليها وترسيخها إن كانت إيجابية بالفعل. والمهم أيضا أن هذا الجهد ينبغى أن يكون متواصلا وليس رد فعل لموقف ينتهى بانتهاء الموقف.

هناك نتائج متعددة فى مجالات مختلفة، ولكنى سأتوقف عند نقطة واحدة، هى انطباع الأمريكيين عن مصر، وهل هو إيجابى أم لا وفى أى فئة عمرية. نتائج الاستطلاع أفادت بأن ما يقرب من نصف الأمريكيين يَرَوْن أن العلاقات جيدة بين بلادهم ومصر (47%)، وأن هذه الرؤية تتواجد بشكل أكبر فى الفئات العمرية الأكبر سنا- فوق 60 عاما- أكثر من جيل الشباب، الذين هم عموما أقل اطّلاعا على المنطقة. هذا يؤكد أن امتداد هذه الرؤية الإيجابية قديم، خاصة إذا ما علمنا أن جهدا أقل تبذله مصر فى اتجاه التواصل لتحسين الصورة، وأن اقتناعاً أقل أيضاً لدى قطاع مؤثر من المسؤولين بأهمية بذل هذا الجهد.

حاولت فهم النتيجة ودلالتها، ولم أجد أقرب من تفسيرها تاريخياً. كان الرئيس الأسبق أنور السادات من أكثر القادة العرب اقتناعاً بأهمية التواصل مع الأطراف الأخرى فى العالم، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية. وكانت شخصيته أحد العناصر الأساسية فى التواصل ورسم الصورة الذهنية الجديدة لمصر. بالتأكيد، فإن سياسات مصر فى تلك الفترة، خاصة انطلاق عملية السلام مع إسرائيل، كانت العنصر الحاسم فى رسم الصورة الإيجابية الجديدة لمصر فى المجتمع الأمريكى، إلا أنه هو شخصيا كان مدركا أهمية التواصل، وكان ذلك سببا فى النجاح فى تلك المرحلة. قد لا أكون مبالغاً إذا اعتبرت أن أحد الأسباب الأساسية التى تفسر إيجابية صورة مصر حتى الآن هو امتداد للجهد القديم منذ وقت السادات، وبعض الجهود المتقطعة التى لم تحمل ملامح استراتيجية ممتدة.

النتيجة التى نخرج بها من القراءة لهذه النتائج أن المطلوب فى المرحلة المقبلة جهد أكثر فى مجال الاتصال، واقتناع المسؤولين بأهمية هذا التوجه.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s