الأظرف البيضاء وألوان أخرى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أظن أن هذا المشهد قد مرّ على العديد منا، أن يكون فى حضرة أحد كبار المسؤولين، ويدخل عليه أحد مساعديه مبتسما، يحمل فى يده اليمنى ظرفا أبيض، وفى يده اليسرى كشفا يوقع عليه السيد المسؤول مبتسما هو الآخر. ولهذا المشهد تفسير أظن أيضا أننى لست الوحيد الذى أدعى معرفته، وهذا التفسير هو أن هذا الظرف الأبيض أو الأصفر، يحمل فى طياته مبلغا شرعيا، والكشف المرفق هو كشف أصحاب هذه الأظرف الشرعية.

عبد اللطيف المناويلماذا هذا المشهد الآن؟

سؤال بسيط برىء، الإجابة عنه سوف تكون على ذات المستوى من البساطة والبراءة. عندما يدخل الوزارة أو العمل العام من رجال الأعمال، هنا يستخدم ما اصطلح على تسميته عالميا (Blind Trust)، وهو تعبير المقصود به أن يخول من يتولى منصبا عاما من يأتمنه على ما يملك، ويقوم هذا الشخص أو المؤسسة بطرح ما يملكه المسؤول الجديد فى البورصة ويشترى باسمه أعمالا وأسهما جديدة لا يعلم بها، وذلك درءا لشبهة أى تقاطع بين طبيعة وظيفة المسؤول الجديد ومصالحه، وذلك لاستبعاد أى شبهة انتفاع.

ولكن هذا الموقف وهذا التغيير يدفعاننا للتساؤل عن رواتب ودخول كبار المسؤولين فى بلادنا. نحن بسهولة يمكننا أن نعرف دخل الرئيس الأمريكى (حوالى 400 ألف دولار، راتبا سنويا، إضافة إلى 50 ألف دولار معفاة من الضرائب مصروفات ونثريات). ويمكننا أن نعرف راتب رئيس الوزراء البريطانى (حوالى 80 ألف جنيه إسترلينى خاضعة للضرائب). وبالبحث قليلا عبر الإنترنت (وليس السجلات السرية)، يمكننا أن نعرف رواتب العديد من المسؤولين فى دول العالم. ولكن ماذا عن عالمنا العربى؟ نقرأ عن تدنى رواتب المسؤولين فى بلادنا، خاصة الوزراء، ولكن بالتوازى مع هذا التدنى، أو ربما نتيجة له، برزت ظاهرة الأظرف البيضاء- أو الملونة- التى هى عبارة عن مكافآت أو بدلات لحضور جلسات- وأحيانا لعدم حضورها- وعائد تحصيلات مخالفات بناء أو مرور أو تراخيص شهادات الميلاد أو الوفاة، أو رسوم امتحانات أو تصحيحها، أو غرامات الرسوب فيها. وأظن أننا لو بحثنا مليا فى هذه الأظرف جميعها ومسبباتها، سنكتشف أسبابا للقبض- قبض الأموال أعنى- لم تكن تخطر ببال أحد، ومن جهات لم نكن لنتخيل أن هذا جزء من دورها.

هذه الظاهرة الظرفية- نسبة للأظرف- كما ذكرت من قبل هى ظاهرة تحمل فى ملامحها صفة الشرعية والقانونية، وهى ليست مقصورة فقط على الوزراء، ولكنها ممتدة إلى مستويات عدة داخل أجهزة الدولة، وفى مختلف إداراتها، ولكن الأمر الأكيد أنها أسلوب غير صحيح. فليس الحل لتدنى راتب المسؤول البحث عن طرق شرعية لزيادة دخله، وليست الطريقة للحفاظ على النسق الإدارى والهرم المالى لرواتب الدولة أن يتم تحديد راتب زهيد للوزراء أو المسؤولين، وأن تبحث الدولة أو يبحث المسؤولون عن طرق قانونية لزيادة هذا الدخل وتكون الأظرف هى الحل.

الوضع الطبيعى والمفترض فى ظنى أن تتوقف ظاهرة الأظرف هذه، وأن يتم تحديد دخل محترم وكاف لكبار المسؤولين من وزراء وموظفى الدولة، يكون دخلا معلوما وكافيا من دون أظرف إضافية. هذه هى الخطوة الأولى نحو الشفافية التى تدعى معظم أنظمتنا أنها تحاول تطبيقها. هذا الموقف الواضح له نتائج عدة، أولا، إحساس الوزير أو المسؤول أنه يحصل على عائد كاف بشكل كريم. الثانى، أن المجتمع فى هذه الحالة يعرف دخل مسؤوليه، وبالتالى له الحق فى أن يحاسبهم على أدائهم، فوظائفهم مربحة وليست تفضلا منهم. والثالث، أن هذا سوف يكون عاملا مساعدا فى تقليص حجم استهلاك الأظرف فى بند الأدوات الكتابية، وهو ما يعنى تقليصا للنفقات.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s