العناد القطرى الذى سيفجر المنطق والمنطقة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تطورات الأزمة، التى ورطت قطر نفسها فيها والمنطقة معها، تؤكد أن الرؤية الغربية التى تدعمها بعض الأطراف الإقليمية بأن هناك إمكانية لتطويق الأزمة دون تغيير واضح وجوهرى فى الموقف القطرى ليست هى الرؤية الأصح والأقرب، وبات واضحاً أن تغيير سلوك قطر بات مطلباً غير قابل للمساومة لكل من مصر والسعودية والإمارات ودول عربية أخرى. وبدا هذا الإصرار من خلال رد فعل الدول التى ذكرتها على تسريب قطر لقائمة الشروط الثلاثة عشر، والتى اعتقد من يخطط للدوحة خطواتها ويدير معركتها من خبراء لم يحسنوا تقدير رد الفعل أن تسريب هذه الشروط المتشددة سوف يضع الدول صاحبة الشروط فى وضع محرج أمام العالم، وبالتالى ضاغط على هذه الدول بحجة عدم معقولية الشروط من وجهة نظرهم. لكن المفاجأة كانت فى رد فعل هذه الدول الذى اتسم بتجاهل تام لأى وجهات نظر انتقادية لهذه المطالب، بل وكان الكشف عنها من الجانب القطرى فى صالح موقف الدول المقاطعة لقطر. وأكدت هذه الدول عبد اللطيف المناويموقفها الثابت تجاه حتمية تغيير قطر سياستها الخارجية بشكل جذرى يتناسب والطلبات التى تضمنتها وثيقة الشروط.

الفرصة الوحيدة لقطر لتجاوز هذا الوضع المتأزم الذى تواجهه هو أن تتخلى عن عنادها وتتعامل بمنطق أكثر اتزاناً يضع مصلحة الشعب القطرى فى أولوياته وكذلك مصلحة المنطقة، وأن يحاول قادة قطر تجاوز النظرة الأنانية الضيقة التى تتحكم فى سلوكهم. وتأتى مسألة تبنى قطر مشروع الإخوان المسلمين، ومعها القوى والجماعات المتشددة والإرهابية فى صدارة أولويات التغيير المطلوبة من قطر. كذلك العلاقات مع إيران وتشعباتها أحد أهم متطلبات التغيير المطلوب فى السلوك القطرى. هذا يضع الدوحة أمام قرارات مصيرية عليها اتخاذها بوضوح وبضمانات وبلا مساحة للتأويل أو للالتباس، لأن مصلحة قطر تقتضى إثبات مواقف يمكن لجيرانها العرب أن يصدقوها ويثقوا فيها. مطلوب من قطر أن تتخلى عن لعب دور الولد الشقى الذى يستمتع بإفساد الأجواء المحيطة به حتى لو أدى الأمر إلى احتراقه بالنيران التى أشعلها. تحتاج الدوحة وحكامها أن يستعيدوا ثقة من فقدوا ثقته، وهم كُثُر، بالتوقف عن العبث بالاستقرار فى المنطقة العربية. وأن يتخذوا خطوات تؤكد توقفهم عن لعب أدوار خفيّة فى الشرق الأوسط وتخريبية فى أكثر من مكان.

من ينظر إلى المطالب المطروحة أنها تهدف إلى حمل قطر على الانصياع والانكسار لا يحكم على الموقف بشكل منطقى، فليس الهدف كسر قطر ولا الوصاية عليها، لكن الهدف ببساطة الرجوع عن خطأ السياسات السابقة وتنفيذ تلك المطالب بدقة متناهية وبوجود آلية تضمن الالتزام وتمكن الدول المتضررة من استعادة ثقتها بالشقيق الشارد، وحتى يمكن الوثوق بها والتعامل معها مجدداً.

المطالبة بوقف سياسات دعم التطرف وقنوات التحريض، والتخلى عن تمويل جماعات العنف، والالتزام بثوابت الأمن الخليجى فى مواجهة الخطر الذى تمثله إيران بسياساتها والمطامع التركية الواضحة، الالتزام بهذه المطالب ليس خصماً من سيادة قطر، خاصة إذا ما تذكرنا أن بداية الخطأ والخطر كانت بسبب السلوك القطرى على مر عقدين من الزمان.

هذه الأزمة ستطول إذا لم تسارع قطر بالعودة عن أخطائها، والاعتذار عن أفعالها وسياساتها السابقة من دون مكابرة، الخطر الكبير الآن هو التعنت والعناد على حساب المصالح العليا للمحيط الأوسع. حتى الآن فإن حكام قطر قد أخذتهم العزة بالإثم.

الرجوع عن الخطأ والعودة لمحيطها العربى خير لها من التشبث بأجندات بات واضحاً أن ثمن التشبث بها سيكون باهظاً.

لو لم يتم حسم هذه الأزمة سريعاً فإن هذا سيؤدى إلى المزيد من الاستقطاب السياسى الإقليمى والدولى، واتساع دائرة المواجهة، وهو وضع الكل فيه خاسر، وفِى المقدمة قطر، حكاماً وشعباً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s