حلم الدولة المتآكل

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

بات منتصف مايو من كل عام يوما تستعد له وسائل الإعلام المختلفة والجمعيات السياسية والثقافية المختلفة، فهذا التاريخ هو ذكرى تاريخ النكبة، نكبة فلسطين، أم نكبات العرب، وذكرى النكبة هى إحدى المناسبات المتعددة التى يستحضر فيها العرب آلامهم وإخفاقاتهم، ومع مرور السنين تراجع الإحساس بعظم المصيبة، وبات التعامل مع يوم النكبة كيوم احتفالى، نتذكر فيه مآسى الشعب الفلسطينى، وتاريخ الإخفاقات العربية، وكما ذكرت باتت هناك قائمة ثابتة لدى وسائل الإعلام العربية المختلفة تدور حول العناصر التالية: ماذا حدث فى حرب 48؟ أوضاع اللاجئين ومخيماتهم، ماذا قدمت الدولة- صاحبة وسيلة الإعلام- من تضحيات من أجل قضية العرب؟ كيف أفسد 198968_1925889754891_1471580740_32131816_3447614_nوأضاع الآخرون القضية بسياستهم؟

وتكون هذه مناسبة لاستضافة القيادات الفلسطينية الحالية- رغم أنهم ليسوا فى حاجة إلى مناسبة للظهور الإعلامى- يملأون الشاشات وصفحات الجرائد للحديث عن تاريخهم وتاريخ منظماتهم فى النضال من أجل القضية الفلسطينية، وهى أيضا مناسبة طيبة للغمز واللمز فى الفصائل الأخرى، التى إما باعت القضية أو أفسدت نضال الرفاق فى الفصائل الأخرى.

وهكذا تمضى أيام المنتصف من شهر مايو من كل عام فى هذه الحالة من استحضار الذكرى ونصب حالة من البكائيات التى من طول وتكرار الاحتفال بذكرى النكبة باتت بلا أثر ولا طعم.

وجاءت أيام المنتصف من مايو هذا العام فى ظل انعقاد لقاءات بين سيد البيت الأبيض الجديد وزعماء العالم العربى، بمن فيهم الرئيس الفلسطينى الذى سعد كثيراً بنداء ترامب له بـ«الرئيس». وبعدها لقاء الرئيس الأمريكى بزعماء الخليج والعالم الإسلامى، والجميع تحدث عن أهمية حل القضية الفلسطينية كأساس ليعم السلام والاستقرار المنطقة.

طوال العقود السابقة انفردت إسرائيل بالساحة تطرح فيها رؤيتها القادمة، بل وتتخذ الخطوات الفعلية لتنفيذ هذه الرؤية، ويتعاون معها الفرقاء الفلسطينيون- بفرقتهم- فى تنفيذ هذا المخطط.

إذا ما نظرنا إلى نقاط الخلاف الفلسطينى القائمة حاليا سنجدها تتركز حول النزاع على السلطة والقوة، وهى سلطة وقوة فى دولة لم توجد بعد، ويبدو أنهم يساهمون وهم يدرون أو دون أن يدروا فى ألا توجد أبدا.

الحال انتهى فى فلسطين، بل فيما تبقى من أرض فلسطينية، بحالة من تكريس الانقسام، قطاع تسيطر عليه حماس نسبيا، ولن تصل إلى مستوى قوة أعلى يمكنها من السيطرة الكاملة أو امتلاك قوة تمكنها من الخروج خارج حدود القطاع، وجزء تسيطر عليه فتح التى تمتلك قوة نسبية فى الضفة تنازعها فيها قوى أخرى، وهى أيضا قوة لن تمكنها من فرض السيطرة الكاملة على الضفة، أو التجاوز إلى خارج حدودها، وهى أيضا قوة لن تمكنها من الحضور ولا السيطرة فى قطاع غزة، يضاف إلى ذلك معاناة كل حركة منهما منفصلة من حالة انشقاق داخلى. وهكذا باتت المعادلة وجود فصيلين يسيطران فى حدود، كل على جزء من الأرض المتبقية للتفاوض دون أن ينازع الطرف الآخر سلطته أو قوته فى منطقة ما يعتبره منطقة سيطرته، وهذا يعنى فى النهاية مجرد سلطة مقسمة ومنقوصة على أجزاء من وطن لا يريدون هم ولا من يعتبرونه العدو أن تتوحد، ويبدو الأمر وكأن أصحاب الشأن لا يريدون هم أيضا إلا أن يمتلكوا قوة حتى لو كانت منقوصة.

مرة أخرى، الأمر يبدو وكأنه استمرار لحالة البكائيات، ليس فقط على ما مضى، ولكن على أيام أخرى صعبة يدفع فيها أصحاب القضية أنفسهم، أو قياداتهم، إلى جعل حلم الدولة يتآكل مع مر الأيام.

■ الزميلة صفاء حجازى

عرفتها قبل أن تكون لى علاقة بالتليفزيون، وظلت كما هى حتى آخر مرة التقيتها منذ أسابيع. حماسها لما تؤمن به كان يصل إلى حد المواجهة لإثبات قناعتها، اعتبر البعض هذا الإصرار تهوراً فى بعض الأحيان، ولكنى رأيته دائما صدقاً وإيماناً بقناعاتها حتى لو اختلفت مع الآخرين. وخلف صفة «الحديدية» التى وصفوها بها كانت روحا إنسانية راقية هى التى تحكم قراراتها.

فى لقائى الأخير بها، وبينما كانت مستلقية على فراش المرض، لم ألحظ إلا صاحبة الشخصية التى تتحدى من أجل قناعتها، لم أسمع سوى تلك النبرة القوية المتحمسة المتحدية وهى تقول: «لن يستطيع أحد أن يهدم ماسبيرو، هو سيبقى والباقى إلى خفوت»، وحكت لى كيف أصرت على الذهاب إلى مكتبها على كرسى متحرك لتدافع عن وجود الكيان الذى عاشت له وفيه وآمنت به. قلت لها وقتها إننا فى أشد الحاجة إلى مثل شخصيتها المقاتلة فى هذه المرحلة.

رحم الله الزميلة والصديقة صفاء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s