العمائم سوداء وبيضاء على موائد الوحدة الوطنية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كل عام وأنتم بخير. خلال أيّام يبدأ شهر

رمضان وتبدأ معه مظاهر عديدة ومختلفة، بعضها متناسق ومتسق مع طبيعة الشهر الكريم، وبعضها متناقض بشكل صارخ. عدد كبير 100_0757-1.jpgيجد فى الشهر الكريم سبباً مقنعاً لإعلان الاضراب عن المشاركة والعمل بل والحياة، والحجة المساقة دائماً هى العبادة، وكأن العبادة نقيض للحياة، وكأن العمل والجدل والحركة والنقاش والتفكر فى شؤون الحياة هى أعمال مفطرة من المتناقضات مع التعبد الواجب فى كل الأوقات، خاصة أثناء الشهر الكريم.

مقدمة لم تكن هى الموضوع الرئيسى الذى وددت الحديث عنه اليوم، ولكنها ليست بالبعيدة كل البعد. فمن بين مظاهر الشهر الكريم حضور الفرصة للتلاقى بين أطراف وأشخاص لا يلتقون ولن يلتقوا إلا فى الشهر الكريم من العام التالى.

الشركات، المصانع، الإدارات، الجامعات، الأصدقاء، العائلات، كل هؤلاء يلتقون، يقاومون قدر الاستطاعة أسر التليفزيون ومسلسلاته وبرامجه ليلتقوا، ومن بين تلك اللقاءات الشهيرة فى مصر، ما اصطلح على تسميته بإفطار الوحدة الوطنية، وهو باختصار، لقاء على إفطار تقوم به هيئات مسيحية مختلفة فى مصر على رأسها الكنيسة القبطية، وكنائس الطوائف الأخرى فى مصر تدعو فيها رجال دين مسلمين، ومفكرين ومثقفين ليلتقوا على تلك الموائد.

على الإفطار، تجلس العمامات السوداء بجانب العمامات البيضاء، وتدور حوارات مع ابتسامات كثيرها مجاملة، وقليلها يحمل جدية الطرح والحوار. وتدور الكاميرات هنا وهناك، كاميرات ثابتة للتصوير الفوتوغرافى وكاميرات متحركة للتليفزيون لتكتسى صفحات الصحف وشاشات التليفزيون بتلك الصور التى تجتمع فيها العمامة السوداء مع العمامة البيضاء فى ابتسامة كما ذكرت فيها الكثير من المجاملة.

بدأت مع إطلالة الشهر الكريم تصلنى بعض هذه الدعوات التى اعتبرها لا ترقى إلى التعبير عن الوحدة الوطنية بشكلها الحقيقى، ولكنها شكل من أشكال التعبير السطحى عنه، فلا يكفى أن تلتقى العمامات البيضاء والسوداء ويبتسمون أمام الكاميرات ليؤكدوا بذلك أن الوحدة الوطنية قائمة وحقيقيةـ وأنا أظنها فى أصلها كذلك ـ ولكن أعتقد أن الفائدة الكبيرة من مثل هذه اللقاءات أنها تكمن فى قيام حوار وطنى حقيقى يتناول القضايا والمشكلات التى تهم الوطن بحق، الوطن بكامله، وليس الوطن مجزأ: قضايا التعليم، والإصلاح، والصحة، والمواطنة، وحقوق الإقباط، وحقوق المسلمين، وحقوق المرأة، وحقوق الشباب، وحقوق الطفل، كل هذه الموضوعات هى التى ينبغى أن تحظى بنقاش حقيقى حتى حول موائد الإفطار. الاعتراف بالمشكلة أياً كان حجمها هو البداية الحقيقية لحلها، والحوار الصريح الواضح حول إبعاد هذه المشكلة هو أيضا البداية الصحيحة للوصول إلى نقطة التقاء تصلح بداية للحل.

وبدلا من لقاءات الابتسامات والمجاملات، أتمنى أن يكون هذا الشهر الكريم هو نقطة للقاء حوار حقيقى حول المشكلات الحقيقية بانفتاح وشفافية ودون حساسية.

لنضع على الطاولة الموضوعات الشائكة، الحقوق، المساواة، الاستقواء بالخارج، استغلال الظرف الخارجى، استغلال الضعف الداخلى، لنطرح كل هذه الموضوعات ونتحاور حولها، لنبحث فى نقاط الالتقاء ونقاط القوة، نقاط القوة والاختلاف، للوصول بهذا الوطن إلى ما يستحقه. وأظن أن مثل هذا الحوار هو أهم عوامل تحصين المجتمع، وأحد أهم الخطوات لمحاربة الإرهاب الذى لا يفرق بين أبناء الوطن الواحد.

لا أظن أن هذا الحوار حول هذه الموائد سوف يفسد الصيام أو الأجواء، ولكن لو صدقت النوايا سوف يكون عاملا مهما فى إصلاح الأجواء.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s