التغيير هو مرادف الاستقرار

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

قد يبدو غريباً أن أتحدث عن التغيير ونحن مازلنا فى أتون توابع الزلازل التى هزت استقرارنا بعنف حتى الآن. ولكنى هنا أتحدث عن مفهوم التغيير الداعم للاستقرار، كل نظام ذكى فى العالم يجدد نفسه بإحداث تغيير يضمن به استمرار سريان قوى الدفع والتحفيز للنظام والمجتمع. هذا يحدث حتى لو كان عمر النظام قصيرا أو حتى لو كان حديث العهد بإدارة العمل السياسى.

بعد قليل يكتشف النظام، أى نظام، مكامن الخلل فى إدارته للشؤون الخاصة بالمجتمع، والفارق هنا بين نظام وآخر هو مدى شجاعته فى إدراك الخطأ والمسارعة إلى تغييره. أذكر ما حكاه لى تونى بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، عن تجربته فى العامين الأولين، وكيف وجد نفسه وحكومته وبلده يتجهون إلى كارثة بسبب حداثة عهده وقتها هو وزملائه الوزراء فى مسألة إدارة شؤون بلد كبير كالمملكة المتحدة، وهنا أدرك، كما قال لى، أهمية أن يتوقف ليعيد تنظيم البيت من الداخل، وأتى بمن يعرف فى هذا الأمر والمتخصصين فيه لإعادة هيكلة ماكينة حكم البلاد التى يقودها. وبعد دراسة «علمية» على يد «علماء ومتخصصين» فى الإدارة استطاع أن يمتلك تلك الماكينة التى جعلت من فترة حكمه واحدة من علامات التاريخ البريطانى الحديث، هذا بغض النظر عن أى تقييمات سياسية له ولحكمه.. ولكنى أتحدث عن الإدارة.

إحدى القوى الكامنة فى المجتمع البشرى هى قوى التغيير، وأظنها مثلها مثل قوى الطبيعة التى ظل الإنسان يهابها ويخافها، حتى تمكن من التعامل معها والسيطرة عليها نسبياً. دعونا نتخيل الإنسان الأول، الذى أظنه كان يفزع كلما تسببت العواصف فى إحداث حريق، هو عبارة عن نيران لم يتمكن الإنسان الأول من إشعالها، وظلت قوة خفية وغير مسيطر عليها، حتى تمكن من التحكم فى إشعال النار، وبذلك تخلص من خوفه منها واستطاع الاستفادة بها، وهكذا بقية القوى الأخرى التى يظل الإنسان متخوفاً منها حتى يتمكن من السيطرة عليها أو توظيفها وفقاً لاحتياجاته، ولو لم يتمكن من ذلك فإنه لا يملك إلا أن ينسحق أمامها أو يتجنبها. هكذا ظل الحال مع قوة الرياح والمياه والعواصف، وأظنه يصلح للتطبيق على قوة التغيير.

هذه المخاوف يمكن أن تنطبق على التعامل مع تلك القوة القديمة المتجددة، وهى الرغبة فى التغيير، أو قوة التغيير، وهى تعيش الآن إحدى أعتى صورها وأفضل تجلياتها، ومثلها مثل القوى الأخرى التى ذكرت لها بعض الأمثلة، فقوة التغيير هى قوة قابلة للتوظيف الإيجابى، أو للانسحاق أمامها، المعيار هنا أو العنصر الحاسم هو: هل نقود نحن التغيير أم نقف متسمرين أمامه فلا نجد مستقبلاً لنا إلا بانسحاقنا وفقاً لقوانينه أو لقوانين من يحركه؟!

أظن أن المَخرَج الوحيد لأنظمتنا ولنا فى هذه المرحلة أن نقود نحن عجلة التغيير بأيدينا، تلك العجلة التى بدأت فى الدوران ولم يعد بإمكان شخص ما أو نظام ما القدرة على إيقافها أو دفعها إلى الوراء. قد يتمكن من وضع بعض العصى أثناء دوران هذه العجلة، ولكنه أبداً لن يتمكن من إيقافها، حتى لو نجح جزئياً فى تعطيلها.

المطلوب فى هذه المرحلة التجاوب مع قوة التغيير التى أصبحت المطلب الأول الآن بين الشعوب، هذا التجاوب يمكن أن يصب فى صالح هذه الشعوب إذا ما حدث ذلك الاكتشاف المشترك بين الشعوب وحكامها لتلك النغمة المفتقدة بينهما. اكتشاف الأنظمة لغة حوار صحيحة مع شعوبها وقدرة هذه الأنظمة على تلبية رغبات تلك الشعوب فى الحياة وفقاً لمعايير تشعر هذه الشعوب بأنها تستحقها هو الأسلوب القادر على استعادة هذه الأنظمة لشعوبها ومكانتها بينها، وإذا ما عجزت تلك الأنظمة عن القيام بتلك المهمة، فإن ذلك لن يكون سوى دلالة على انتهاء صلاحية ذلك النظام. ولكى يتمكن النظام من التغلب على تلك الأزمة فلا سبيل أمامه إلا دفع قوى التغيير الحقيقية داخله لتتبوأ قيادة عجلة التغيير، وعلى الأنظمة فى هذه اللحظة التخلص من كل من يحاول أن يضع عصا فى عجلة التغيير المتحركة، أو من يحاول دفع عجلة التغيير من الخلف، مستعيناً بقوى من خارج هذا المجتمع لتوجيه عجلة التغيير لتصب فى إطار مصالح خاصة لفئة أو طائفة أو قوة خارجية، ولا يبقى لقيادة عجلة التغيير إلا أولئك المنتمون بحق لهذا المجتمع، والمؤمنون بأهمية هذا التغيير وتطويعه ليتحول إلى قوة مضافة وليس قوة هادمة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s