الاختلاف قوة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

اختلاف عناصر ومكونات المجتمع يمكن أن تكون مصدر قوة بنفس القدر الذى يمكن أن تتحول فيه إلى مصدر تفجير للمجتمعات من داخلها. ليس هناك تناقض بين كون جسد المجتمع نسيجا واحدا متجانسا وبين أن تكون عناصره ليست متماثلة أو متشابهة. إذا تحول الاختلاف إلى تناقض هنا سيبدو الجسد وكأنه اختزل إلى «كعب أخيل»، أو لم يبق من الجسد سوى الكعب الذى يُضرب به المثل دائما 100_0757-1.jpgبالضعف، ومنه وبسببه سقط البطل «أخيل».

سوف يظل الأدب الإغريقى أحد المناهل المهمة فى تاريخ الإنسانية، وسوف يظل ملهماً للعديد من الإبداعات، كما أن العديد من قصصه ستظل صالحة لوصف حالة نعيشها فى أى زمن، تلك الحكايات الجميلة الشيقة فى أساطير الحب والجمال عند الإغريق مثلا، أو تلك الملاحم العظيمة مثل الأوديسة والإلياذة واللتين ترجمهما درينى خشبة. هذه الكتابات مازالت حاضرة، وتلك القصص مازالت تُستحضر فى مواقف للأمم والأشخاص.

تحدث هوميروس فى أسطورته الخالدة «الإلياذة» عن ذلك البطل الأسطورى أخيل، البطل الذى لا يُقهر بسبب قوته الخارقة، لأن أمه أمسكته من قدمه، وغمرته فى نهر الخلود، ما أعطى جسمه قوة خارقة، لكنها خشيت عليه من الغرق فأخرجته بسرعة قبل أن يلمس الماء كعبه، ليصبح نقطة ضعفه الوحيدة، ومنها قُتل، وهكذا بات كعب أخيل مضرب المثل حول نقطة الضعف القاتلة لأى شخص وأى مجتمع.

أعود لأتحدث عن الجسد العربى بمجتمعاته التى ظللنا نحلم دوماً بقوتها وخلودها وقدرتها على التحدى، ولكننا استسلمنا بأيدينا وبرغبتنا «المستقلة» فى أن نترك الكعب ليسيطر على الجسد، حتى كاد الجسد أن يتحور كعباً.

أستحضر هذه القصة بمناسبة ذلك الذى نشهده فى مجتمعاتنا العربية، داخلها وبين بعضها البعض، حيث نجد مجتمعاً قرر باختياره ومحض إرادته أن يحول أحد العناصر الذى كان من الممكن أن يكون عنصر قوة، ليتحول إلى عنصر ضعف، وأقصد بذلك الاختلاف بين عناصر المجتمع، عندما يتكون المجتمع من أكثر من عرق أو أكثر من ديانة، أو أكثر من مذهب أو ملة، إذ يمكن لهذه الاختلافات فى المفهوم الإنسانى العام أن تكون أحد مصادر القوة للمجتمع، لتنوع المصادر الحضارية والثقافية فى بنية هذا المجتمع. يمكن لنا أن نكون كذلك، ويمكن لنا أن نكون عكس ذلك، وباستقلال وإرادة حرة، اخترنا أن نكون عكس ذلك. والشواهد كثيرة فى مجتمعاتنا العربية، ليس آخرها ما يحدث فى العراق أو سوريا أو اليمن، وطبول الحرب التى تستدعى الخلاف المذهبى والدينى والطائفى وقوداً لهذه الحرب. نتحدث عن أقباط ومسلمين، عن شيعة وسنة، عن عرب وأفارقة، لتتحول هذه الاختلافات الصحية، أو التى ينبغى أن تكون كذلك إلى خناجر يحملها الآخرون ليهددوا بها الوطن.

كثيرة هى نقاط القوة المفترضة فى أجسادنا العربية، ولكنها جميعاً، أو معظمها، حولناها إلى نقاط ضعف، تعددنا كدول تملك ثقافة واحدة وحدود مشتركة ولغة واحدة، حولناها إلى نقطة ضعف كبيرة، عندما أفردنا، كل فى طريقه، لينقذ نفسه، واهماً، بالتفاوض مع الآخر، ظناً منه، وواهماً أيضاً بأنه سوف يكون ذا مكانة أكثر خصوصية، أو أولى بالرعاية، كما هى لغة الاقتصاد والسياسة، ولكنه لا يعلم أنه بذلك أضعف الآخرين، بل وأضعف نفسه.

وهكذا تتحول نقطة القوة فى الجسد وتتحور إلى امتداد لكعب أخيل. نقرر أن نبحث عمن فى الخارج لنستأسد به على إخواننا فى الداخل، نعتقد أن خلاصنا من مشكلاتنا لن يكون إلا باستحضار قوة هى ليست قوتنا الحقيقية، ولكنها قوة مستمدة من آخرين، ونعتقد أننا إن حققنا أهدافنا قصيرة النظر، فإننا بذلك نكون قد حققنا نصراً، مع أننا بهذا نكون قد سجلنا خطوة متراجعة، ومتنازلة عن عناصر قوتنا الحقيقية.

لا أملك كمواطن فى مجتمع عربى لا يملك من الأمر شيئاً، إلا أن يقول ما يراه، ويحاول أن يعبر عن مخاوف حقيقية يستشعرها، إلا أن أشير إلى ما أستشعر ويستشعره غيرى ممن لا يملكون من الأمر شيئاً، من الخطر الذى ندفع أنفسنا إليه، لن ينتصر الخارج لأى منا على حساب طرف آخر، الوحيد المنتصر هو ذلك المستدعى من قبل بعضنا، ولن يستثنى أى منا من دفع ثمن ذلك التنازل المستمر، لن ينتصر أهل دارفور إن حققوا أهدافاً عبر ضغوط الخارج، وليس نصراً للشيعة أن يحققوا بعضاً مما يهدفون إليه ويعتقدونه حقاً لهم، وليس نجاحا للسنة أن يسودوا على الآخرين إن تم ذلك عبر بوابة خارجية، ولن يكون إنجازا مهماً لأى دولة عربية إن حققت إنجازاً منفصلا لها على حساب غيرها من الدول العربية، أو منفردة بقرارها ظناً أنها بذلك تحقق ما لا يمكنها تحقيقه مع الآخرين.

ما فات ليس كلاماً محفوظاً وردياً، وليس «أكليشيهات»، ولكنه تعبير عن مخاوف حقيقية من أن يتحول ونتحول جميعاً إلى مأساة إغريقية جديدة، تقرأ قصتها أجيال قادمة، بعد زمن طويل لتتعظ بمن لم يتعظ بمآسى من قبله.

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s