«أصيلة» نموذج تكراره تحدٍ

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

العقل والروح هما اللذان يستطيع الإنسان فى وجودهما أن يخلق واقعاً متطوراً من رحم واقع صعب. تجارب عديدة أثبتت أن هذا قابل للتطبيق، وقبل أن أتناول نموذجاً يؤكد ما أدعى، أشير إلى سبب تناولى هذا الموضوع. والسبب ببساطة أننا نمتلك فى بلدنا إمكانيات كبيرة تضيع تحت وطأة التعامل معها بجهل ودون روح حقيقية لبذل الجهد لتغيير هذا الواقع، بل يختار معظمنا التغطية على الوضع السيئ القائم

Untitled

عبد اللطيف المناوى

فى أحسن الأحوال والتعايش معه فى معظم الأحيان.

أتحدث الْيَوْمَ عن تجربة مدينة – أو قرية – وإنسان امتلك روحاً مختلفة. على بعد أربعين كيلومترا من مدينة طنجة المغربية، تقبع قرية صغيرة عَلى ساحل الأطلسى، اسمها «أصيلة»، كانت منذ حوالى أربعين عاما عبارة عن قرية صغيرة متآكلة فى حالة سيئة للغاية من حيث النظافة والصرف والمياه، من حيث كل أشكال البنية التحتية. كان الماء الصالح للشرب متوفراً لساعة واحدة فى اليوم، ولجزء بسيط من المدينة. كان سكان المدينة وقتذاك يبلغ عددهم حوالى 19 ألفا. كان التيار الكهربائى ينقطع عن المدينة لمدة أسبوعين أو ثلاثة. باختصار، كانت حالة معاناة إنسانية وحضارية. امتلكت القرية ابنا لها، تدرج فى مختلف المستويات التعليمية والسياسية المحلية والدولية، اسمه محمد بن عيسى، خرج منها طالبا وعاد إليها حالما بأن يجعلها مختلفة، بعد غربة عنها تجاوزت العشرين عاماً. قرر العودة عام 1976، يقول بن عيسى «إنه لم يكن فى أصيلة حلّ لمشكلة النفايات إلا عربة واحدة وحمار واحد»، فيقول «فكرنا أن نحفّز الناس على نظافة مدينتهم، واكتشفت بعد مسح سريع أن الذين يرمون النفايات هم الأطفال، وفكّرنا أنه لبناء مشروع جديد لإنسان جديد، علينا أن نبدأ بالطفل. ومن ثم اقترحت فى المجلس البلدى (كان عضوا فيه آنذاك) أن ندعو مجموعة من الفنانين التشكيليين إلى رسم أعمال على الجدران العارية فى الشوارع (جداريات)، سيتفاجأ الناس ويسألون ما الذى يحصل؟».

فى أبريل 1978، تمت دعوة 11 فناناً، سكنوا فى بيت بن عيسى وتقاسموا غرفة. لم تكن هناك ميزانية وإمكانات، وكان من ضمن الفنانين أسماء كبرى. وعمل فى كل جدارية مع الفنانين مجموعة من عشرة إلى 15 طفلا. هكذا كانت بداية فكرة إقامة ملتقى أصيلة الثقافى، لتتحول القرية الصغيرة من حالة البؤس لتكون ملتقى يلتقى من خلاله العرب مع الآخرين.

محمد بن عيسى هو شاب فى الثمانين من عمره، ولعه بالثقافة ومجال الإعلام كان المحرك له فى حياته، وفى عمر السادسة عشر انتقل إلى مصر لدراسة الصحافة. عام 1961، حاز منحة لمتابعة دراسته فى أمريكا على شهادة بكالوريوس فى الصحافة من جامعة مينيسوتا. وتدرج فى المناصب منطلقاً من عضو فى مجلس مدينة أصيلة ليصبح وزيراً للثقافة ما بين 1985 & 1992، ثم سفيرا للمغرب فى أمريكا ما بين 1993 & 1999حيث تولى منصب وزير الخارجية المغربى لحوالى عشر سنوات.

تمكن الشاب العائد إلى قريته من أن يحولها إلى إحدى أهم النقاط المضيئة ثقافياً وفكرياً فى العالم العربى، وعلى مدار ثمانية وثلاثين عاما وقف ملتقى ومهرجان أصيلة، الذى يطلق عليه موسم أصيلة، نقطة التقاء وجذب لثقافات العالم والعرب. وتحولت القرية العجوز الهرمة إلى مدينة دائمة الشباب بفضل أحد شبابها، والذى ظل شاباً بحماسه وعقله وروحه حتى وهو فى الثمانين، لأنه آمن دائماً بأن الثقافة بمفهومها العام هى أداة التغيير الحقيقية فى حياة البشر.

من بين ما نسب إلى بن عيسى قوله إن كل شيء تغير. تطوّرت البنية التحتية. قامت وانتشرت فى المدينة مؤسسات الثقافة والفن، وباتت المدينة تحظى بمينائها ومياهها وتيارها الكهربائى، لكن أهم ما تغيّر هو الإنسان ابن أصيلة (…) كبر الشباب 38 عاماً وباتوا يعملون معنا. يحترمون نوعية الحياة ومستواها، ويريدون لمدينتهم أن تكون نظيفة. بات للمدينة حدائقها التى تحمل أسماء رواد، حضروا إليها كالطيب الصالح ومحمود درويش وجابر الأنصارى وبلند الحيدرى. تراث كبير لهذا المكان والحدث أتمنى أن يكون محفوظا للتاريخ.

هى تجربة قابلة للتكرار، وأتمنى ذلك.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s