حيطة بيتنا

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كنّا ونحن صغار نعتبر أن كل ما يحيط بنا هو جزء من ملكيتنا، فالشارع شارعنا والحارة حارتنا، وكذلك حائط المنزل الذى نعيش فيه هو حائطنا، أو كما كنا نسميها «حيطة بيتنا». بحثت فى الموضوع، وأعجبنى أحد التفسيرات التى قرأتها، ملخصه هو أن جزءاً من ثقافة الشارع فى مصر، Abdul-Latif-Al-Minawiمدنها وقراها فى القرن الماضى، هو إحساس كل فرد بأن حائط بيته يملك أن يفعل عليه ما يريد.

وهكذا كان كل طفل أو صبى يستخدم هذا الحائط فى التعبير عن مكنوناته ومواقفه، فيعلن أنه أشجع ولد فى الحارة، أو أقوى شاب فى الحى، أو أن يهاجم منافساً آخر له يمتلك الحائط المقابل، أو أن يعلن فرحته الكبرى بفوز الأهلى أو نكايته فى هزيمة الزمالك. وكان المنطق الذى يسود ويحكم، إذا ما توجه أحد باللوم أو التساؤل إلى مَن يكتب على الحائط، أنه حر فيما يفعل، قائلاً: «دى حيطة بيتنا».

هذا الشكل من إدارة العلاقات والسلوك العام يبدو وكأنه حاضر بقوة هذه الأيام، فقد تقسم الوطن إلى حوائط كثيرة، امتلك كل فرد جزءاً من هذا الحائط، وأصبح «حيطة بيتهم» يمارس فيها ما يشاء من أداء وتعبير، فيبدو الأمر شاذاً غريباً متناقضاً. وأصبحت المجتمعات مجتمعات كثيرة، وصورة كل منها متناقضة ومغايرة لصورة الآخر.

تقرأ بعض الصحف أو تشاهد بعض الفضائيات، فتعتقد أن المجتمع الذى نعيشه هو مجتمع مشرف على الانهيار، مجتمع ضاعت فيه القيم وسقطت فيه الأخلاق، وبات الوضع فيه وكأنه يُحكم بالحديد والنار، مجتمع غابت منه النخوة، والحرية، والكرامة.

ونلقى أبصارنا حولنا لنشاهد ملامح هذا الواقع الأسود، فنكتشف أن الصورة ليست كما يحاول هؤلاء تصويرها، قد تكون أسوأ، وقد تكون أفضل، وفى المقابل، نجد صحفاً ووسائل إعلام أخرى تقدم المجتمع وكأنه مجتمع جدير بأن يحسد المواطن الإنجليزى نظيره فى هذا المجتمع على تلك الحرية اللا محدودة التى ينعم بها، ويحسد السويسرى نظيره هنا على حجم الهناء والسعادة والرغد الذى يعيش فى كنفه، مجتمع ملائكى لا تُفسده إلا قلة من الشياطين، الذين تخصصوا فى إفساد متعة الحياة وبركتها. وأيضاً ننظر حولنا، فلا نجد أثراً لذلك المجتمع.

ما فات هو صورة تبسيطية- قد تكون مُخِلَّة لو ظلت فى حدودها- لما نحن عليه الآن، حالة الصراخ والتباكى والتطاحن، وادعاء البطولات غير المنظورة إلا لأصحابها، تحول المجتمع إلى خليط متناقض، كلٌّ يكتب ما يشاء، مُدَّعياً أنه يكتب على «حيطة بيتهم». وأن يتحول حائط الوطن الواحد إلى حوائط متنافرة متصارعة فهذه العلامة علامة خطر.

أظن أنه لم تعد الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة وحدها قادرة على أن تُلملم شمل هذا الوطن فى هذه المرحلة، ينبغى البحث عمن يستطيع القيام بدور الأرضية المشتركة، أو الحائط الجامع لأهل البيت. هذه الأرضية المشتركة لا تعنى الاتفاق على القضايا، ولكنها تعنى التوافق على أهمية الحوار، وحق الاختلاف والتعبير عن هذا الاختلاف بحرية، تعنى أيضاً التوافق على مصلحة الوطن والمواطن، وأن تكون الأجندة الرئيسية هى الأجندة الوطنية، ومصلحة هذا المواطن الذى لم يعد يجد ما يثق فيه.

أظن أن الخروج من هذا الوضع هو الاتفاق على حائط واحد، هو حائط الوطن، الذى نمتلكه جميعاً ونعبر من خلاله عن اختلافاتنا بحرية، ولكن بتجانس يصل بنا إلى بناء مجتمع يستحقه كل مواطن.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s