إعادة اختراع العجلة وعقدة تحتمس

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كاد اسم الملكة «حتشبسوت»، التى تعد اليوم من أعظم السيدات فى التاريخ، يضيع ويسقط تماماً من التاريخ، وبالتالى كان الأمر المتوقع أنه عندما نزور البر الغربى فى مدينة الأقصر أن نمر على الدير البحرى، وهو المعبد الذى نحت فى الصخر، دون أن ندرى أن مَن شيد هذا الأثر المهم سيدة مصرية أصبحت ملكة جابت دول العالم وتركت أثراً مهماً فى تاريخ الإنسانية.

ذكرت أن اسم حتشبسوت كاد يضيع دون أن أذكر لماذا، والإجابة أظن أن معظمنا يعرفها، والأكيد أن كل من زار الدير البحرى يعرفها، فقد قرر الفرعون التالى لها ابن زوجها «تحتمس الثالث» أن يمحو أى أثر لها، لذلك جاب هو ورجاله أنحاء مصر القديمة بحثاً عن أى بصمة لها ليمحوها، ولذلك يلاحظ الزائرون للدير البحرى أن اسم ووجه حتشبسوت تم كشطه من جدران المعبد الذى يحمل كل تفاصيل عهدها دون وجود IMG_0132لوجهها أو اسمها، ولولا الصدفة أو السهو الذى حمى بعضاً من أسماء وصور الملكة حتشبسوت لسقط اسمها من التاريخ الإنسانى.

لماذا أذكر هذه القصة القديمة التى تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة؟ الإجابة بسرعة: لأنها قصة قديمة، لكنها فعل وسلوك دائم امتازت به ثقافتنا منذ العهود الغابرة. ومن المناسب التذكير بها دائماً، وبالتالى فإن التذكير بها هذه الأيام مسألة مفهومة، يضاف إلى ذلك أننا نعيش منذ فترة طويلة موسم الحديث عن التغيير والإصلاح والبحث عن وجوه جديدة.

تربينا فى مدارسنا ومجتمعاتنا على أسلوب ابن زوج حتشبسوت، حدثتنا كتب التاريخ ووسائل الإعلام عن العهد الغابر، والعهد الزائل، والعهد البائد، وكأنه بات جزءاً من ثقافتنا أن كل ما فات لا يليق به إلا إهالة التراب عليه، وباتت إحدى العلامات المميزة لثقافتنا فى التعامل مع السابق هى محاولة طمسه، بل هدمه أحياناً، ومحاولة إعادة البناء من جديد، لذلك لا يعلو لنا الكثير من البنيان، لأننا نظل دوماً ندور فى دوامة البداية، بداية البناء. وإن كان أحد فينا مختلفاً، فإنه يتغاضى على البناء الموجود إن وجد صعوبة فى هدمه، وبمرور الزمن يخلق حالة وعى جديدة ومختلفة بأن هذا البناء ينسب له، وهذا الإنجاز محسوب له حتى لو كان عمره- أى الإنجاز أو البناء- أضعاف عمر القادم الجديد. هذه السمة ليست سمة يتمتع بها أو يستحوذ عليها كبار مسؤولين فحسب، بل إنها تتسرب الى المستويات الأدنى، فتشكل جزءاً من نسيج تفكيرنا وأسلوبنا.

أهمية مفهوم البناء على ما سبق أن تم، والاعتراف بأن هناك إنجازاً سابقاً، وأن أى إنجاز آت هو مبنىٌّ على ما سبق ومكملٌ له، والاقتناع بأن الحضارات هى نتاج تراكمى للخبرات، ولو كان السلوك هو هدم ما سبق، والتحقير من شأنه، وادعاء البناء من جديد، فلن تكون هناك حضارة حقيقية.

ومفهوم ما سبق هنا هو مفهوم واسع، لا يقف فقط عند حدود البناء والتشييد، ولكنه يتخطاها ليشمل الأفكار والمشروعات الفكرية، بل الأشخاص الذين تكونت خبراتهم عبر العمل والمشاركة فى عهود سابقة، وأيضا الجدل الذى سبق أن مر به المجتمع. أظن أنه كان بإمكاننا اختصار جزء لا بأس به من الوقت لو أننا فتحنا الملفات السابقة ودرسناها، أظن أن جهداً كان قد بذل وأفكاراً كثيرة تم اختبارها وإقرار إمكانية ما ينفذ منها وتطوير ما احتاج تطويراً واستبعاد ما ثبت عدم صلاحيته. كما يدلنا القول السائد «لا يجب إضاعة الوقت فى إعادة اختراع العجلة». هناك علامات إيجابية أخيراً بدأت فى الظهور بالاستعانة بمن هم أصحاب خبرات فى عهود سابقة، وأظن أن العودة لفتح ملفات الأشخاص أصحاب الخبرات السابقة، واستكمال الجدل والتفكير حول ما سبق إثارته، وأيضاً فتح ملفات مشروعات مهمة مثل الألف قرية الأكثر فقراً، فتح هذه الملفات مع الاحتفاظ بحقوق من بدأها أدبيا سوف يصب فى صالح هذا المجتمع الذى يحتاج إلى اختصار الزمن وليس إضاعة الوقت فى إزالة الأسماء أو إعادة اختراع العجلة.

ليتنا نتخلص من مفهوم العهد البائد والزائل.. ليتنا نتخلص من عقدة تحتمس الثالث.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s