الرئيس ومعرض الكتاب

مقال بقلم عيد اللطيف المناوي

تعيش مصر هذا الوقت مرحلة فاصلة بحق، وليس كما اعتدنا هذا الوصف فى الحديث السياسى لعشرات السنين بلا معنى حقيقى، هذه المرحلة هى ما يمكن أن يطلق عليها «مرحلة تقرير مصير لوطن خُلق ليبقى». نواجه تحديات حقيقية، داخلية وخارجية، ولا يمكن التقليل من شأن واحد على حساب الآخر. من بين هذه التحديات ما يمكن أن نطلق عليه تحدى الهوية المصرية فى المنطقة وحدود تأثيرها. وعلى الرغم من الأهمية الكبيرة لوجود حالة من التمكن والقدرة العسكرية للحفاظ على الوطن كيانا واحدا فى مواجهة مخاطر الخارج وتهديدات الداخل، فإنه وعلى نفس المستوى من الأهمية، يأتى تحدى وجود الدولة الفكرى والثقافى وقدرتها على التأثير فى محيطها، وهذا لا يمكن ضمان وجوده دون تقوية حضور مصر الثقافى والفكرى والإبداعى والفنى، ولكى نمتلك هذا، فإن هناك دورا عظيما على الدولة ونظامها السياسى الحاكم من أجل دعم هذا الحضور. والأكيد أن هذا لن يتأتى بإنفاق الملايين على إنتاج ملون الظاهر ضعيف المضمون، ولكن هذا يمكن أن يحدث لو أن الدولة وجهت اهتماما حقيقيا لتلك القوة الناعمة الحقيقية والمؤثرة، وهى الثقافة والفكر والإعلام والفن الحقيقى.

عبد اللطيف المناويأحد أهم معالم مصر المؤثرة الحاضرة فى الذاكرة والواقع العربى الثقافى

القاهرة الدولى للكتاب، وللتذكير بجزء يسير من تاريخ هذا الحدث المهم، الذى لم يُلْغَ إلا عاما واحدا فقط أثناء أحداث يناير، فمعرض القاهرة الدولى للكتاب هو

من أكبر معارض الكتاب فى الشرق الأوسط، بل أصبح واحدا من أكبر المعارض فى العالم، والأكبر فى العالم العربى، وأقدمها كذلك، وفى عام 2006 اعتُبر ثانى أكبر

بعد معرضفرانكفورت الدولى للكتاب. يزور المعرض حوالى 2 مليون شخص سنويًا. بدأ المعرض فى عام 1969، آنذاك كانت القاهرة تحتفل بعيدها الألفى، فقرر وزير الثقافة آنذاك، ثروت عكاشة، الاحتفال بالعيد ثقافيًا، فعهد إلى الكاتبة والباحثة سهير القلماوى بالإشراف على إقامة أول معرضللكتاب.

يُقام المعرض فى إجازة نصف العام الدراسية، فى نهاية شهر يناير، وتحديدا ابتداء من يوم الأربعاء، مدته الرسمية 12 يوما، ولكن يتم مده ثلاثة أيام أخرى، نظرا للإقبال الجماهيرى الكبير، فتكون مدته الإجمالية أسبوعين. جرت العادة به أن يكون اليوم الأول للافتتاح الرسمى، واليوم الثانى للناشرين، وثالث الأيام يوم الجمعة وما يليه للجمهور. يشارك فيه ناشرون من مختلف الدول العربية والأجنبية، ويُقام به أيضا العديد من الندوات الثقافية، بالإضافة إلى

السينما والمسرح والمعارض التشكيلية والعروض الموسيقية، كما تمت إضافة جزء من

سور الأزبكية المخصص للكتب المستعملة، التى تُباع بأسعار زهيدة. المؤتمر فرصة نادرة للقاءات الثقافية وتبادل الأفكار، حيث يقصده الآلاف من جميع أنحاء الجمهورية، بل من الخارج.

وطوال الـ48 عاماً، مثَّل معرضالكتاب أيقونة للمثقفين فى مختلف بقاع العالم، واختلف تعامل رؤساء مصر مع المعرض من حيث الاهتمام به، وبدا ذلك من خلال افتتاحه أو المشاركة فيه باللقاء. الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر» لم يشارك افتتاح أى دورة من دورات معرضالكتاب، بالرغم من انعقاد 10 دورات خلال حكمه، وكان ينوب عنه فى الافتتاح وزراء الثقافة. هكذا فعل أيضا الرئيس الراحل محمد أنور السادات، حيث لم يشارك فى افتتاح دورات معرضالكتاب، ولكن زوجته «جيهان السادات» هى التى كانت تنوب عنه فى الافتتاح. أما الرئيس الأسبق محمد حسنى مبارك فهو صاحب الحضور الأكبر وشبه الدائم لافتتاح دورات معرضالكتاب التى افتتحها جميعاً بنفسه ماعدا عام 2004 حيث أناب عنه ذلك العام رئيس الوزراء وقتها، عاطف عبيد، وعام 2009 حيث أناب عنه رئيس مجلس الوزراء وقتها، الدكتور أحمد نظيف. وأصبح أحد أهم ملامح معرضالكتاب اللقاء السنوى الذى كان يُجريه مبارك مع نخبة من المثقفين، وكان إحدى الإضافات المهمة لقيمة معرضالكتاب. وفى عام حكمه الوحيد، حرص محمد مرسى على افتتاح المعرض، ولَم يلتقِ بالمثقفين ولكن التقى بالناشرين. وتحت شعار «الثقافة والهوية»، افتتح الرئيس المؤقت، عدلى منصور، الدورة الوحيدة فى عهده. وخلال حكم الرئيس عبدالفتاح السيسى عُقدت ثلاث دورات لمعرض الكتاب حتى الآن، لم يشهد الرئيس أيا منها، وقام بتكليف رئيس الوزراء بالإنابة عنه لافتتاح المعرض كل مرة.

وهنا أتوقف لأقول إننا نخسر كثيرا بغياب هذا المستوى من الاهتمام عن المعرض، خاصة أن الرئيس يحرص على المشاركة فى العديد من الفعاليات. شارك أثناء المعرض فى خلال الأيام الماضية فى مؤتمر الشباب فى أسوان، وهنا أشير إلى أن شعار المعرض هذا العام هو «الشباب وثقافة المستقبل»، أى أنه يصب بشكل مباشر فى دائرة الاهتمام المباشرة للدولة والرئيس فى هذه المرحلة. أيضا مشاركة المغرب كضيف شرف هذا العام، وهى فرصة لتهدئة حدة التوتر الحالى بين البلدين.

أظن أن الوقت لم يفُت بعد، لذلك أتمنى لو قام الرئيس بزيارة للمعرض وعقد لقاء مع المثقفين داخل المعرض.

ليس كل ما كان يفعله نظام سابق أو رئيس سابق هو أمر يجب تجنبه. هناك أمور عديدة يجب الحفاظ عليها وتأصيلها وتطويرها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s