شعب «ابن نكتة»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أبدع المصريون فى كيفية تفجير النكتة، وأحد أبرز ما يتميز به المصريون على مر التاريخ هو قدرتهم على السخرية من كل شىء، ويُعرف 100_0757-1.jpgالمصرى فى العالم كله بخفة الدم، والقدرة على التغلب على الهموم بالضحك.

الضحك والنكتة سلاح أيضا بالنسبة للمصريين، وهذا ما حدث وقت حكم الإخوان، عندما قاوم المصريون بالسخرية من الإخوان، ومن رئيسهم ومرشدهم، حتى انتهى الأمر بالإطاحة بهم من الحكم، وهذه هى قوة النكتة المصرية، وأحد أسرار الشخصية المصرية عبر مر التاريخ.

وبلغت درجة تقديس القدماء المصريين للنكتة أنهم جعلوا لها إلهاً وزوجوها لإله الحكمة. وهذا هو بالضبط التفسير الأقرب لارتباط النكتة لدى المصريين بالتعبير عن موقفهم من الحياة بكل تفاصيلها، وإذا ما تراجعت النكتة فى المجتمع المصرى وسادت روح الاكتئاب فإن هذه علامة خطيرة على أن الأزمة كبيرة.

الضحكة على وجه المصرى الأصيل تبدو وكأنها محفورة عمرها من عمر بدء حضارتهم، الضحكة على الوجه تخفى خلفها تفاصيل حياة، بشقائها وحلوها ومرّها. وقد استخدم المصريون منذ القدم سلاح الضحكة والنكتة فى مواجهة كل الصعوبات الحياتية، خاصة الاقتصادية والسياسية. مصر رغم غناها البشرى والثروة الطبيعية لم تعش كثيرا فى حالة يسر اقتصادى، بل واجه أهلها أو قطاع كبير منهم صعوبات اقتصادية، وفى مجال السياسة فإن علاقة شديدة الخصوصية والتعقيد ربطت المصرى بالسلطة السياسية، وهذا جدير بحديث آخر فى وقت آخر، هذه العلاقة دفعت المصرى لأن يبحث عن وسائل مختلفة يعبر بها عن مواقفه التى لا يأمن أن يعبر عنها بوضوح وصراحة، كما هو يقاوم ظرفه الاقتصادى الصعب بالضحك عليه واختلاف النكات عن صعوبات حياته. ستلاحظ أن المصرى عندما يلقى نكتة فإنه يفعل ذلك ليس من أجل إضحاك من يسمعها، بل هو يسعى للضحك مع ضحك من يسمعها، هو باحث عن البسمة من أجل الحياة حتى لو كانت الضحكة على ظروف حياته. الضحكة هى رغبة فى الحياة. يوصف المصريون بأنهم (أبناء نكتة) يلجأون إلى السخرية والضحك، إما للتعبير عن الرأى أو لدفع الهم ومحاولة لتجاوز الواقع المعاش.

نظريات علمية حاولت تفسير ظاهرة النكتة، أحداها يعتبرها فرعونية الأصل، فيقال إن المصريين القدماء اعتقدوا أن العالم خلق من الضحك فحين أراد الإله الأكبر أن يخلق الدنيا أطلق ضحكة قوية فظهرت السماوات السبع، وضحكة أخرى فكان النور، والثالثة أوجدت الماء إلى أن وصلنا إلى الأخيرة خلق الروح، وظهرت فى البرديات رسوم كاريكاتورية وعلى قطع الفخار أيضا تنتقد الأوضاع السياسية والاجتماعية، احتفظت بها متاحف العالم، واستخدم المصرى القديم الحيوانات للسخرية من خصومه السياسيين، فهناك صورة فيها فئران تهاجم قاعة للقطط، والفئران تمتطى العجلة الحربية وتمسك الحراب والدروع حاملة السهام والأقواس، أما القطط فترفع أيديها مستسلمة. وقصد المصريون القدماء أن يمثلوا الهكسوس بالفئران، هم وغيرهم من الغزاة، أما القطط فترمز لحضارة شعب مصر.

لم يستطع من احتل مصر على مر العصور مقاومة النكتة المصرية، الرومان عندما احتلوا مصر حرّموا على المحامين المصريين دخول محاكم الإسكندرية لأنهم كانوا يسخرون من القضاة الرومان ويهزأون من ضعفهم فى تحقيق العدالة، فاستخدموا النكتة والقافية للدفاع عن السجناء السياسيين. وللشاعر الرومانى (ثيوكربتوس) مقولة شهيرة قالها قبل الميلاد بحوالى 200 سنة: «إن المصريين شعب ماكر لاذع القول، روحه مرحة».

عندما جاء الاحتلال العثمانى لمصر كانت السمة الغالبة عليهم الغطرسة والتوتر، وما ميز أشكالهم الكروش الكبيرة التى وضعت عليهم مسحة من الكسل وضيق العقل، فسخر المصريون من (نفختهم الكاذبة). فيقول الجبرتى فى كتابه «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار»: (لقد نكت المصريون على الباشا التركى وحولوه إلى أغنية لحنوها ورددوها «يا باشا يا عين القملة مين قال لك تعمل دى العملة/ ويا باشا يا عين الصيرة مين قال لك تدبر دى التدبيرة»)، وجاء ذلك كرد فعل على قسوة الأتراك وتعاملهم الفظ مع المصريين كعبيد. أطلق المصريون (قفشاتهم) اللاذعة التى نالت من المحتل الفرنسى والتى كانت تنال من خلاعة ومجون جنود الاحتلال، فانزعج نابليون بونابرت من سخرية المصريين فأمر أتباعه بإلقاء القبض على من يطلق النكات على الفرنسيين، لتكون النكتة لأول مرة فى التاريخ جريمة يعاقب من يرتكبها بالقتل أو الضرب. وأثناء الاحتلال الإنجليزى عندما ظهرت نوعية جديدة من المقاهى أطلق عليها المصريون «المضحكانة الكبرى»، حيث يجلس روادها ليطلقوا ضحكاتهم عاليا، والتى تنال من المحتل البريطانى وطريقته الخشنة فى التعامل.. فقامت السلطات الإنجليزية لأكثر من مرة بإغلاق المضحكانات.

النكتة المصرية جزء من الثقافة المصرية، واختفاؤها أو تضاؤلها دليل على أن ما يعانى منه المصريون كبير، لذا كما يستخدمها المصريون للمقاومة والدفاع يستخدمونها أيضاً كمحاولة للتصبير والرضا بالواقع، مع أمل فى تغييره للأفضل، وهكذا تدخل النكتة فى كل تفاصيل حياة المصريين، وربما لهذا يطلق عليهم أنهم شعب «ابن نكتة» .

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s