دولة القانون

بقلم عبد اللطيف المناوي

الكلمة تبدو كبيرة، وتبدو صغيرة وهينة فى نفس الوقت، لكن الحقيقة أن الأساس لأية دولة قبل أن نتحدث عن دولة الحريات أو الدولة الديمقراطية، أو حتى دولة الرفاهية، فإن الأساس هو دولة القانون.

وننطلق فى الحديث اليوم، من أمر أعتقد أننا نمر أمامه، وأحياناً نمارسه دون أن يجفل لنا جفن، أو نشعر بأننا نخالف القانون، أو أن ما يحدث أمامنا،أو حتى نمارسه، جريمة فى حق القانون.

حملت صحف الأمس، فى الصفحات الداخلية لمعظمها، والأولى فى بعضها، أخباراً عن ذلك الحادث الذى تسبب فى مقتل 9 من المواطنين البسطاء، داخل سيارة ميكروباص، بعد أن قرر سائق أتوبيس نقل عام (وسيلة أخرى لنقل البسطاء) أن يختصر الطريق ويسير عكس الاتجاه، فيصطدم ويقتل ويصيب.

Abdul-Latif-Al-Minawi

نقرأ الخبر ونتجاوزه إلى أخبار أخرى، وقد يكون رد فعلنا الوحيد هو الأسى لمصير من مات، وهو شعور سريعاً ما يتسرب ويتبخر بعد أن نتجاوز الخبر إلى الخبر الذى يليه، ولا نتذكر أن منا من يقوم بذات الفعل فى بعض الأحيان، كل يوم لمجرد أن يختصر جزءاً من الطريق، ويوفر بعضاً من الوقت.

المشكلة بالنسبة لى أكبر كثيراً من مجرد مخالفة مرور، ولكن ما حدث هو تعبير عن غياب دولة القانون بمفهومها التطبيقى، وهو ما يعنى بمعنى آخر تراجع هيبة القانون فى مواجهة التصرفات الشاذة والمخالفة، أياً كانت هذه التصرفات، وسواء صغرت أم كبرت.

فى مرات سابقة ذكرت أن استعادة هيبة الدولة تبدأ عندما تنتهى ظاهرة المطبات الصناعية الأهلية، التى يقوم أفراد عاديون بوضعها أمام منازلهم أو أعمالهم ومحالهم، لإجبار السيارات على الإبطاء، دون أن يكون هناك غطاء قانونى لما يفعلونه، وهو ما يعنى أن كل شخص يطبق القانون الخاص به فى المكان الخاص به بالشكل الذى يريده.

مجتمع مثل هذا لن يكون بمقدوره أن يتقدم للأمام أو يواجه التحديات التى تواجهه يومياً، إذا كان المحرك الأساسى له فى الحركة والفعل هو تحدى القانون أو مخالفته، دون الوضع فى الاعتبار أن هذا التحدى أو هذه المخالفة هى كسر لإحدى القواعد الأساسية للدولةـ أية دولة.

قبل أن نتحدث عن الحريات، قبل أن نتحدث عن الديمقراطية، قبل أن نتحدث عن الرفاهية، وقبل أن نتحدث عن حل المشكلات الاقتصادية، قبل أن نسأل عن كل ذلك يجب أن نسعى فى الأساس إلى أن تكون لدينا دولة قانون، يكون القانون فيها حاضراً ومحترماً ومفعلاً ومطبقاً على الجميع، ولا يستثنى أحداً، أياً ما كان هذا الأمر، وأياً ما كانت الجهة التى ينتمى إليها.

عندما تكون لدينا دولة القانون، ساعتها ستكون لدينا أى دولة وأى صيغة لأى دولة نعتقد أننا نستحقها.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s