خطيئة تدمير تليفزيون الدولة (2)

بقلم عبد اللطيف المناوي

لو تخيلنا أننا استيقظنا يوما فلم نجد مبنى ماسبيرو العريق قائماً مكانه، بل اختفى بمن فيه. أستطيع أن أؤكد أن هذه الصورة يمكن أن تمثل قدراً كبيراً من الارتياح لدى أطراف عديدة مسؤولة وشعبية. وهنا تكمن المشكلة كما سبق أن ذكرت، فهذا المبنى ليس عبئاً، ولكنه أصل من أصول الدولة، يواجه مشكلات ينبغى حلها، وأهم مشكلاته هى الإحساس السلبى تجاهه الذى أشرت إليه.

أذكر أنه كان قد مرّ حوالى العام على تحملى المسؤولية فى تليفزيون الدولة فى ذلك الوقت، وكان هناك خبر صغير عن نقل تمثال رمسيس من موقعه فى الميدان الذى يسمى باسمه إلى موقعه الجديد فى المتحف المصرى الكبير، وقررت وقتها اختبار مدى قدرة المبنى على التعامل مع حدث يمكن أن يكون كبيراً، ويمكن أن يكون مجرد حدث صغير وقع فى ليل، فقررنا وقتها أن يتم تحويل عملية نقل التمثال من الميدان إلى مقره الجديد إلى احتفالية مصرية، يراقب فيها المصريون التحرك الأخير لملك مصر عندما يمر من شوارعها، وكأنه يتفقد أحوالها قبل أن يصل إلى موقعه الأخير.

لم يكن المشروع فى ذلك الوقت يبدو سهلاً، لكن كل من يتذكر الحدث يذكر كيف سهر الكثيرون ليعايشوا حركة الملك من لحظة تحركه حتى وصوله، فى ليلة لم ينَم فيها كثير من المصريين.

ما أردت قوله فى هذه القصة أن عملية النقل التليفزيونى هذه تمت بكاملها من خلال العاملين فى تليفزيون الدولة، وبإمكانيات ماسبيرو، عبر عشرات نقاط البث وعشرات العربات، ومئات العاملين، فى قدرة عالية على التنسيق وتقديم ما يُبهر المشاهدين. وهذا يعنى أن هذا المكان يمتلك من المقومات ما لا تمتلكه أى مؤسسات أخرى، مهما أثير حولها من ضجة أو دعاية، وأن هذا المبنى يمتلك من العناصر البشرية من يستطيع أن ينجح وأن يقدم عملاً ناجحاً.

هذا النموذج الصغير نخرج منه إلى نماذج أخرى أكثر اتساعاً عندما ننظر إلى كل (أعنى كل) المؤسسات الإعلامية الأخرى الناجحة مصرياً وعربياً، فمن قام بها هم هؤلاء.

هذه شهادة حق ينبغى أن توضع لذلك المكان الذى أعتبره جوهرة التاج للإعلام المصرى حتى لو غطاها الكثير من تراب الإهمال وغبار تجاهل حل المشكلات، وينبغى العمل على حل مشكلاته.

لقد كانت لى تجربة مع هذا المكان، وانتهت، وتجاوزتها، وهذه التجربة أكدت لى كل ما سبق أن أشرت إليه من إيمان بإمكانية إعادة إيقاظ ما ظللت أسميه دائمًا «هذا الديناصور النائم»، والذى إن استيقظ فإنه سيستطيع أن يملأ مكانه، وأن يتحول إلى إحدى أهم أدوات الدولة فى هذه المرحلة، والبداية هى الإيمان بكل ما ذكرت.

وثبت خلال الأعوام الماضية أنه ليست هناك وسيلة أخرى قادرة على أن تحل محل تليفزيون الدولة، جربنا القطاع الخاص (إعلام رجال الأعمال)، وثبت أنه فى اللحظات الحاسمة لا يكون إعلام دولة بمفهومه العام، ولكنه إعلام مال خاص يتناول موضوعات عامة من موقعه، وأخشى تكرار خطأ الاعتقاد بأن هناك كيانات أخرى قادرة على أن تزيح تليفزيون الدولة وإعلام الدولة، وتحل محله.

وعندما أدعو هنا إلى دعم إعلام الدولة فإننى لا أنفى ولا أصادر حقوق أطراف المجتمع الأخرى الأساسية، من رجال أعمال ومؤسسات من حقها أن تكون لها وسائلها الإعلامية، ولكن الجريمة هنا إذا ساد الشعور بالارتياح والانتصار إذا ما تخيل أحدهم اختفاء مبنى ماسبيرو بمن فيه.

Advertisements

One comment on “خطيئة تدمير تليفزيون الدولة (2)

  1. نعم ( ليست هناك وسيلة أخرى قادرة على أن تحل محل تليفزيون الدولة ) ،
    لكن المشكلة ( المعضلة ) هي نظرية ( السياسة التوفيرية ) ، تلك النظرية الفاشلة التي تترجم النظرة السطحية لمؤسسة التلفزيون والإذاعة أيضاً الحكوميين ودورهما وطبيعة العمل فيهما ، تلك النظرة الاستخفافية والفهم الخاطئ الذي يحيل العمل فيهما ، بما فيه من افكار واهداف كبيرة وعظيمة ، الى ما يشبه عمل ( السخرة ) ، مما يجعله أشبه بروتين خانق يكاد يخلو من ملامح الابداع ، حتى تبدو الصورة باهتة ،،
    وفي الوقت الذي يخلو ( إعلام رجال الأعمال ) من الأفكار والأهداف الكبيرة ، لكنه لا ينفكّ يستمد بريقه من المال .

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s