في النقاش الفقهى حول أكل لحم الحمير

بقلم عبد اللطيف المناوي

لم يمر عيد الأضحى دون أن نسمع الجدل المعتاد كل عام حول أكل لحم الحمير، وذبح بعض فاسدى الضمائر حميراً وبيعها فى استغلال لإقبال الناس على شراء لحوم من جهة، وارتفاع أسعار لحوم الأضاحى من جهة أخرى.

لكن الصدمة، هذه المرة، كانت فى إعداد بعض الصحف ملفات كاملة عن هذا الموضوع، وتخصيص مانشيتات الصفحات الأولى لهذا الأمر، والصدمة الأكبر أن الأمر تجاوز هذه المرة مسألة الحديث عن الأضرار الصحية لهذه اللحوم، وتحذير المواطنين، وتعريفهم بطرق تجنب شراء لحم الحمير، وخراب ذمم بعض الجزارين، للحديث والجدل حول مدى تحريم هذا النوع من اللحوم، وكأنه لو حللت فتوى أكل لحوم الحمير فسيكون من حق المواطن أن يتوجه إلى جزار ويقول له: «أعطنى كيلو لحم حمير واتوصى».

فى الأعوام الماضية، كان الجدل يكثر حول من هم بلا ضمير، الذين ينشطون فى عمليات الغش، وفى عمليات ذبح الحمير وبيعها، وكان هذا الأمر منتشراً أساساً فى المحال التى تبيع الأطعمة الجاهزة، والمحال المنتشرة فى معظم شوارع مصر (محال الكباب والكفتة).

وهذه التجاوزات وهذه القضايا كانت موجودة بشكل مستمر، ولكن خلال الفترة الأخيرة، ونتيجة الأزمة الاقتصادية، (التى نتمنى أن ترى حلاً خلال الفترة المقبلة)، والأزمة الأخلاقية (التى يبدو كل يوم أنه يصعب وجود حل لها)، فإن هذه الظاهرة باتت أكثر انتشاراً، وتجاوبت مواقع التواصل الاجتماعى مع الأمر فى إطار الهزار والسخرية، وكان من أشهر المقولات التى انتشرت أن كل مواطن أكل حماراً كاملاً على الأقل، وذلك لصعوبة التمييز بين لحوم الحمير واللحوم الأخرى، كما صرح مسؤول بوزارة الزراعة.

ووقتها خرجت بعض المصادر المنسوبة لوزارة الصحة، والتى أرادت التخفيف من حدة قلق المصريين من هذه المسألة، فصدمتهم من حيث لا تدرى، عندما قالت إن لحوم الحمير لا تضر، وغير صحيح ما يتردد عن وفاة من يأكلها.

أما الباحثون عن الشهرة فقد خرجوا بتصريحات من خبراء فى مجالات الصحة، تتحدث عن أهمية أكل لحم الحمير، وتوظيفه فى سد الفجوة الغذائية، وزاد أحدهم بالقول إن لحوم الحمير تحتوى على نسبة كبيرة من مادة ذات اسم علمى لا أذكره، وهو ما يعطيها طعماً مسكراً، وأن أليافها ناعمة، وهو ما يجعل لحمها طرياً ومستساغاً.

وازدادت الكارثة، أو الصدمة، عندما دخل على الخط بعض الفتاوى التى تتحدث عن حرمانية أو جواز أكل لحم الحمير، وانشغل الشيوخ وأهل الفتوى بالرد على بعضهم البعض، وثار الجدل الفقهى حول جواز أكل الحمير بالمطلق أو اضطراراً.

هذه صورة تبدو خفيفة، ولكنها تعكس حالة من حالات الخلل الذى يعيشه المجتمع المصرى، وعلى الرغم من أن هذه إحدى القضايا الحياتية، لكن الجدل حولها تحول إلى ضرب من الخفة، فغاب صوت العقل طوال الفترة الماضية.

ما يغيب فى هذا الجدل أن الأمر برمته شكل من أشكال الفساد الصغير، فساد فى بيع اللحوم، فساد فى الذمم، فساد فى الإدارة والنقاش، وقبل كل ذلك فساد للمعدة.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s