كوميديا حكومية

بقلم عبد اللطيف المناوي

يستحق الخبر الذى تداولته الصحف والمواقع خلال الأيام الأخيرة حول تبادل وزارة الكهرباء وشركة المياه قطع الخدمات عن بعضهما بسبب الفواتير والمديونيات المتراكمة، التوقف أمامه، والتساؤل عن الطريقة التى تدير بها الحكومة خلافاتها الداخلية، وحل «الاشتباكات» بين الوزارات والهيئة الحكومية.

15_19_52

تفاصيل الخبر ليست خافية عن أحد، وفيها أن وزارة الكهرباء اتخذت بالفعل خطوة قطع التيار الكهربائى عن بعض المنشآت الإدارية التابعة لشركة مياه القاهرة منذ شهرين، بسبب تراكم المديونيات عليها، فردت الشركة بقطع المياه عن عدد من المنشآت التابعة لوزارة الكهرباء، وهى التفاصيل التى فتحت باباً من السخرية والاستغراب عن الأسلوب المتبع بين مؤسستين تابعتين لحكومة واحدة.

ولو مددنا هذا الخط- خط طريقة قطع الخدمات المتبادلة على امتداده- فلنا أن نتخيل ماذا سيحدث إذا وقع خلاف مالى بين وزارة الكهرباء ووزارة الداخلية، هل ستبادر وزارة الكهرباء بقطع الخدمة عن أقسام الشرطة، وهنا سيكون من حق الأقسام أن ترد بأسلوب مماثل، وهو أن تحتجز موظفى وزارة الكهرباء كأسرى لديها، حتى تتم إعادة التيار مرة أخرى؟.

أما فى حال اختلفت وزارتا الرى والزراعة، ففى هذه الحالة ستلجأ وزارة الرى لقطع المياه عن أراضى وزارة الزراعة، وقد تمنع رى الأراضى الزراعية، وفى هذه الحالة قد تلجأ وزارة الزراعة للضغط بأن تمنع موظفى وزارة الرى من شراء منتجاتها من خلال منافذ بيعها المتعددة.

لكن المشكلة فى هذه الطريقة هى أن بعض الجهات الحكومية سيكون موقفها صعباً، لأنه لا يمكنها، للأسف، أن تفعل أى شىء للضغط أو الرد فى حال اختلفت مع وزارة أخرى، لأنها مثل المواطن العادى، لا يملك أدوات ضغط فى يده على الوزارات، فماذا بإمكان وزارة التخطيط مثلاً أن تفعل رداً على زميلاتها من الوزارات الأخرى إذا اختلفت مع إحداها، وكيف سترد وزارة البيئة، ولا شىء تملكه فى يدها، إلا إذا قررت أن تترك أكوام القمامة تتراكم أمام الوزارة المناوئة.

الأكيد أن ما حدث بين وزارة الكهرباء وشركة مياه القاهرة هو كوميديا سوداء، وتبدو كأنها صورة كوميدية، ربما لم تصل إليها عقول مؤلفى الأفلام الساخرة بعد، لكنها فتحت الباب للعديد من النكات وعشرات الكاريكاتيرات على صفحات الصحف، ومئات الكوميكس المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعى للسخرية من الحكومة، التى لا تستطيع حل خلافاتها الداخلية، فتلجأ بعض مؤسساتها لطريقة «المكايدة»، كما وصفها البعض.

هذه حالة من «الكوميديا» فى إدارة أمور الدولة، والتى يبدو أنها فى سبيلها فى بعض الوزارات للتحول أو اعتماد أسلوب «احتجاز الرهائن»، من يستطيع أن يمتلك ويسيطر على الرهينة، ويتمكن من لى ذراع الآخر.

ما تكشف عنه هذه الحادثة، التى لها أصداء فى الماضى، هو أن هناك مشكلة فى تعامل أجنحة ومؤسسات وأجهزة الدولة مع بعضها، هناك مشكلة فى إدارة الخلافات، ومشكلة فى إدارة الموارد، ومشكلة فى حل المشاكل الناجمة عن التشابكات الإدارية.

وعلى الحكومة أن تعى أنه لا يجب تصدير هذه الحالة من الارتباك وعدم التنسيق وعدم التعاون وغياب التجانس للمواطنين، فإذا كانت هذه الحالة هى التى يقرأها المواطن فى الصحف، فماذا تتوقع منه الحكومة أن يفعل عندما يتعامل مع مصلحة حكومية؟

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s