الموظف العام واحترام الرأى العام

بقلم عبد اللطيف المناوي

من ضمن «الخناقات» الجانبية الكثيرة التى انشغل بها المصريون الفترة الماضيةـ فى حين تغيب عنهم الإشكاليات الرئيسيةـ موضوعات كثيرة لا تستحق، وقليل منها يستحق.

ولعل من بين هذه الموضوعات القليلة حكاية «الخناقة» الحادثة بين أحد وزراء الحكومة وبين عدد من أعضاء البرلمان، والموضوع الجانبى المثير فيها للمواطنين فكرة أن الوزير يقيم فى فندق لمدة 3 سنوات، وتختلف التقديرات حول مساحة غرفته فى الفندق، ومكانها، وتكلفتها، وهل هى 30 متراً أم 130 متراً، وهل تطل على النيل مباشرة، أم تطل على مدينة القاهرة، وهل هى بـ100 دولار فى الليلة، أم بـ800 دولار، وهل سكرتاريته الخاصة معه أم ليست معه.

IMG_0132

لن أتوقف طويلاً أمام هذه المقارنات، ولن أميل بوجهة نظر فى مساحة أو سعر، ولن أدغدغ مشاعر مَن يقرأ لأميل أو لأرجح فكرة أن تكون تكلفة الإقامة مليوناً أم 8 ملايين جنيه، وهل يحسب الدولار بالسعر الرسمى، أم بالسعر «غير الرسمى»، أما ما سأتوقف عنده فهو تصريح الوزير فى مجال دفاعه عن نفسه عدة مرات بأنه حر فى أن يصرف ماله الخاص بالشكل الذى يراه، وفى أن يقيم فى شقة أو فى فندق، ومفهوم «الحرية» هنا هو الذى عليه خلاف فى حدوده.

الأمر الأكيد أن شخص الوزير يمتلك الحرية الكاملة فى أن يفعل ما يشاء فيما يمتلك، ولكن هناك جانب غاية فى الأهمية، هو أنه ارتضى أن يكون موظفاً عاماً، وبالتالى فإنه يخضع للمفاهيم الحاكمة لدور وسلوك وحدود تدخل الرأى العام فيما يعتبره شأنا شخصياً.

أستدعى هنا إحدى الحكايات الحديثة التى حدثت خلال الأشهر الماضية، تحديداً فى شهر إبريل الماضى، عندما أثارت ما سُميت «تسريبات ووثائق بنما» العديد من ردود الفعل فى العديد من دول العالم، وكان من بينها ما شهدته بريطانيا، عندما ظهر فى تلك الأوراق أن رئيس الوزراء البريطانى فى ذلك الوقت، ديفيد كاميرون، قد امتلك أسهما لشركة لوالده فى جزر البهاما، وثارت الدنيا ضده لأنه وضع نفسه فى شبهة عدم دفع ضرائب، أو فى شبهة ملكية أسهم لم يكشف عنها، وخرج كاميرون وقتها ليفعل ما لم يتوقعه أحد، عندما نشر إقراراته الضريبية طوال السنوات التى سبقت وتلت توليه رئاسة الوزراء، وظهر فيها أنه التزم ضريبياً، وإن كان قد استفاد جزئياً ببعض التسهيلات الضريبية، وصنع بفعلته هذه سابقة يمكن أن تكون ملزمة لكل سياسى يأتى بعده.

نحن هنا إزاء كشف لمعلومة عمرها يتجاوز الثلاثين عاماً، عن شخصية عامة (عمر أسهم كاميرون فى شركة والده قبل بيعها عندما تولى رئاسة الوزراء، وعندما تم الكشف عنها)، وكان رد الفعل أن كاميرون لم يناقش فى تلك اللحظة حق الرأى العام فى المعرفة، ولم يقف عند حدود التوضيح، ولكنه تجاوز ذلك إلى مرحلة الإثبات بالوثائق والأدلة.

أنا هنا لا أقارن، ولا أطالب بنفس مستوى ما يحدث فى دول أخرى، فأنا أعلم تماماً اختلاف الثقافة العامة السائدة على مدار عشرات السنين، وأعلم الحدود التى يمكن من خلالها التعامل مع الشخصية العامة، ولكنى هنا أقف مرة أخرى أمام فهم الوزير لحدود حق الرأى العام فى المعرفة، فهو حر أن يفعل ما يشاء فى ماله الخاص، ولكن حق المعرفة للرأى العام- درءاً للشبهات- يظل حقاً ينبغى التعاطى معه بقدر من الاحترام والتجاوب وليس الإنكار.

مرة أخرى، هى «خناقة» من بين الجدل الكثير الحادث فى مصر فى أمور، منها الحقيقى والمؤثر، وهو قليل، ومنها الكثير من اللغط الدائر لتزجية أوقات البعض.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s