على هامش الأوليمبياد

بقلم عبد اللطيف المناوي

«أكثر اللحظات صعوبةً على نفسى كانت عندما عُزف السلامان الوطنيان».. هذا ما قاله ماركو باجاريتش، اللاعب القطرى من أصل كرواتى، فى فريق قطر لكرة اليد، تعليقاً على المباراة التى أقيمت بين قطر وكرواتيا، وانتهت بفوز قطر 30 /23 على كرواتيا، التى تعد من أهم منتخبات كرة اليد فى العالم.

عبد اللطيف المناوي

وأضاف اللاعب الكرواتى المتجنس قطريا بشكل مؤقت، شارحاً علاقته ببعض اللاعبين فى منتخب بلاده الأصلية: «لقد لعبت مع هؤلاء اللاعبين، وعشت مع بعضهم فى كرواتيا، ولكن ماذا يمكننى أن أفعل؟». كان «باجاريتش» هنا يتحدث عن فكرة التنازع بين الانتماء الأصلى والانتماء إلى الدولار، لكنه تجاوز هذه اللحظات عندما بدأت المباراة، موضحاً ذلك بقوله: «لكن بعد ذلك كانت مباراة، كأى مباراة فى كرة اليد».

«باجاريتش» ليس هو اللاعب الوحيد فى المنتخب القطرى لكرة اليد، الذى يتكون من 5 لاعبين من دول البلقان، و2 من سوريا، وفرنسى وإسبانى وكوبى ومصرى، أما المدرب فهو إسبانى الجنسية.

تكلف هذا الفريق الملايين، حيث إن القواعد تسمح للاعبين بالتجنس بجنسية أخرى، ويمثل البلد الجديد فى حال عدم تمثيل بلاده لمدة 3 سنين.

قبل تشكيل هذا الفريق كان ترتيب قطر فى لعبة كرة اليد 108 على مستوى العالم، والآن بعد أن تمكنت من هزيمة كرواتيا المرشحة بقوة للحصول على الميدالية الذهبية أصبحت مرشحة للفوز بالميدالية.

ولو حدث هذا فإن ذلك سوف يكون سابقة خطيرة، كما عبّر مدرب فرنسا، كلود أونيست، الذى يعتبر أن هذا تشويه لمفهوم الرياضة والأوليمبياد، وأن هذا سوف يكون مدمراً لمفهوم التنافس.

من المعروف أن العديد من الرياضات، خاصة فى قطر، يمثلها لاعبون أجانب، وهذا قد يكون مفهوماً نتيجة الظروف الخاصة للدولة، لكن الأكيد أن هذا أيضاً له دلالة على مدى سيطرة المال وقدرته على التأثير وتغيير المشهد حتى فى المجال الرياضى.

لقد خَبِرنا هذه القدرة فى التغيير السياسى، وهو الأمر الذى شاهدناه ومازلنا نعانى منه فى تغيير مسارات شعوب ومقدرات دول بدافع المال، ولكن هذا تطور جديد فى تأثير المال حتى فى تشكيل مستقبل الأوليمبياد، التى يعود عمرها إلى عصر الإغريق، حيث بدأت فى سنة 776 قبل الميلاد. وكانت تقام كل 4 أعوام على شرف زوس، كبير آلهة اليونان، وزوجته هيرا، وتدوم لمدة 7 أيام.

الملحوظة الأخيرة فى هذا الأمر هى ذلك الإحساس بالوطن، وهو الأمر الذى أعتقد أننا نملكه ولكن لا نقدره.

لدينا الوطن ولدينا الإحساس، لكن ليس لدينا الإحساس العميق فى التعاطى مع هذا الإحساس، وليس لدينا التجاوب الحقيقى فى كيفية تمثيل وطننا. نحن لدينا نعمة لا نعرف قدرها ولا معناها، ليس لدينا المال لكن لدينا الوطن.

قديماً، تحدثت عن مفهوم الدولة الوطن، والدولة الترانزيت، وقلت إن الدولة الترانزيت هى تلك الدولة التى يكون طريق المطار فيها هو الأكثر ازدحاماً عندما تمر بأزمة، لكن الدولة الوطن هى تلك التى تبقى فيها وتتمسك بها حتى فى أشد اللحظات سواداً، وفى أحلكها.

مصر مرت بأزمات، وتمر بأزمات، وستمر بأزمات، وعلى القائمين على الدولة أن يجدوا فى هذه الأوقات ما يربط الشعب بوطنه، يراهنون عليها، ويعملون على استغلالها لخدمة الوطن، وتأكيد أن هذا الوطن هو وطن كل المصريين.

الأوليمبياد مستمر، والمباريات قادمة، ولن يكون غريباً أن يصعد كرواتى أو صربى ليتسلم إحدى الميداليات التى تفوز بها قطر.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s