الرجل الذى لن يكون سلطاناً

بقلم عبد اللطيف المناوي

لم يقف الرئيس التركى رجب طيب أردوغان- الذى لن يكون سلطاناً- عند حدود اتهام دول عربية، كدول أو كأشخاص فاعلين بها، بل امتد به الأمر إلى دول الجوار الأوروبى، وحلفائه على الشاطئ الأطلسى، ولم يتبق أمامه إلا اتهام ذباب وجهه بأنه يخطط للإطاحة به.

العديد من المراقبين فى العالم يعتقدون- بل والبعض يؤكد- أن هذا الانقلاب الذى فشل هو انقلاب أريد له أن يكون انقلاباً من قِبَل أردوغان، بمعنى أن الانقلاب حقيقى بالفعل، ولكنه فى ذات الوقت هش، وتمت الوشاية به مبكراً، وبالتالى سمح له أردوغان بالحركة المسيطَر عليها، حتى يتمكن من تحقيق الحلم الذى لا يفارق خياله منذ سنوات، والذى تجسد فى صورة رأيناها جميعاً، عندما وقف على سلم قصره ذى الألف غرفة، وفى خلفية الصورة جنود الإمبراطورية العثمانية.

بدأ أردوغان تلك الحرب المسعورة على معارضيه، والمخططة سلفاً، وعمليات الذبح من كشوف أُعدت مسبقاً ليحقق الهدف الذى كان يسعى إليه منذ أعوام طويلة، ووجد فى ذلك الانقلاب الهش الذى علم به مسبقاً فرصة فوق الزمن ليحقق ما يراه، فبدأ أردوغان عملية العصف بمَن حوله، وأغلق البلاد، وبات وضعه قريباً من وضع ديكتاتور كوريا الشمالية، ولم يهتم بإقالة وإبعاد وسجن واعتقال الآلاف ليس من الجيش- الذى يُفترض أنه قاد الانقلاب- وحده، ولكن من كافة طوائف المجتمع، والتى شملت المعلمين وأساتذة الجامعة والرياضيين وحكام كرة القدم، وأغلق مدارس وجامعات ومعاهد، وأقصى قضاة وموظفين فى وزارة التعليم، فضلاً عمن تمت الإطاحة بهم من وزارة الداخلية والجيش والحرس الجمهورى.

ونظرة سريعة على أرقام المعتقلين والمستبعدين تكشف عن كشوف معدة مسبقاً، وبدأ أردوغان فى تنفيذها مع الإعلان عن فشل الانقلاب، وهذا السلوك يؤكد فقط تلك الرغبة المريضة الساكنة بداخله لتحقيق الحلم الدائم من إبعاد معارضيه، وأن يكون سلطاناً على جثثهم.

الغريب هنا هو تلك الأبواق التى تماهت مع أردوغان، والتى رأت فيما فعله سلوكاً صحياً وصحيحا، ودافعت عن موقفه وإجراءاته، بل تحت شعار «الدفاع عن الديمقراطية والرئيس المنتخب» أجازوا له العصف بمَن حوله والاعتقال والتعذيب والقتل والتخوين.

قراءة المستقبل تقول إنه حتى لو استمر أردوغان فى مكانه فإنه سيحقق خسارة كبيرة، سواء داخلياً أو خارجياً، فخارجياً.. اتهم الشرق والغرب بمعاداته وتدبير الانقلاب للإطاحة به، وداخلياً.. ففى سبيل تحقيق حلمه أطاح بالآلاف، ليس من المعارضة فقط بل من كل الاتجاهات، ومن كل الفئات باعتقالاته العشوائية، فضلاً عن أنه خلق حالة من الغضب داخل الجيش ضده، بصور التعذيب والإهانة لجنود الجيش التركى عقب القبض عليهم وتعذيبهم من قِبَل أنصاره، وهو ما يعنى أنه لا يُستبعد أن تكون هناك تحركات أخرى ضده، سواء من داخل الجيش أو من بين القوى والأفراد الذين بطش بهم وبعائلاتهم، لكنه فى كافة الأحوال- والأمر الأكيد- لم يكن ولن يكون- أبداً- سلطاناً.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s