فض اشتباك

بقلم عبد اللطيف المناوي

على الرغم من التاريخ الطويل والإنتاج الكبير للسينما المصرية، فلم يكتب لها كثيراً أن تدخل محافل سينمائية ومهرجانات دولية مرموقة، إلا مرات قليلة خلال السنوات الماضية، وعلى أيدى أسماء مخرجين معدودين ومعروفين.

ومؤخراً، كان لمصر الحظ أن تكون حاضرة على يد أبنائها فى مهرجان كان السينمائى، فى افتتاح قسم «نظرة ما»، بالفيلم المهم «اشتباك»، الذى أخرجه محمد دياب، وقامت ببطولته الفنانة المتميزة والتى تثبت كل يوم جدارتها بأن تكون فى مصاف النجوم الأوائل فى تاريخ السينما المصرية، نيللى كريم، واستطاع الفيلم أن يلفت الانتباه إليه بشدة فى المهرجان الدولى، واختاره نقاد موقع «هوليوود ريبورتر» فى قائمة أفضل 10 أفلام عُرضت ضمن فعاليات الدورة الـ69 من مهرجان كان.

وكنت قد اطلعت على فكرة الفيلم قبل تصويره، وتحمست لها كثيراً، رغم التخوف من أن البعض قد يفسر فكرة الفيلم بأنها تدعو للمصالحة، وهنا أود التنويه إلى أننى لست مع المصالحة مع أى تنظيم غير شرعى أو يلجأ للإرهاب، لكنى مع الحوار مع أبناء الوطن الذين يلتزمون بقوانينه ونظمه.

لكن بمجرد وصول الفيلم إلى مهرجان كان والإشادة به، بدأت حملة كبيرة على الفيلم وعلى مخرجه، مع اتهامات له بأنه ثورجى ومن «نشطاء السبوبة»، وأنه دائم الهجوم على مؤسسات الدولة، ويقدم صورة مشوهة عن المجتمع المصرى فى أفلامه، وهذا أحد أشكال التجاوز المجرمة فى الأداء والتعامل، أن نسعى للاشتباك مع الذين نختلف معهم ومع رؤيتهم من أبناء الوطن، حتى لو كان السبب صغيراً، أو لو كانت مساحة الاختلاف لا تسمح بكل هذا الهجوم الكاسح.

لا أعرف المخرج محمد دياب، ولم ألتقه من قبل، وقد أختلف معه فى المواقف السياسية، وفى التعبير عن الطرق التى يعبر بها عن آرائه السياسية، لكن ما أعرفه هو أنه مخرج جيد، وأحد الأسماء المهمة فى عالم السينما، ويقدم مستوى فنياً جيداً فى أفلامه، وأنه يمثل مصر ويحمل اسم مصر فى أفلامه التى يشارك بها فى المهرجانات الدولية.

وما أعرفه أيضاً أننا نعانى من إشكالية كبيرة وأساسية فى التعبير عن اختلافنا، وهى أننا لا نعرف كيف نختلف، ولدينا حساسية شديدة إذا طرح شخص رأياً مغايراً لنا، فنبدأ على الفور بانتقاد الشخص، والاتهام جاهز دائماً، وهو يبدأ من عدم الفهم، وينتهى بالتخوين.

هذه الطريقة فى فهم «الاختلاف» تدفع الكثيرين من أبناء الوطن للتوقف عن دفع سفينة الوطن إلى الأمام، كما تمنعهم أيضاً حتى من الحديث وإبداء آرائهم، والاختلاف كما يحدث فى كل المجتمعات التى يؤدى فيها الاختلاف إلى تطور الأفكار وتطور الوطن.

هناك، للأسف، عملية طرد تقوم بها أجزاء من الدولة، للأفكار المختلفة عن الأفكار التى تتبناها، والتعامل مع أى حوار فكرى باعتباره معركة، بها فائز وخاسر، والخاسر لابد أن يخرج خارج اللعبة، وللأسف، الخاسر فى هذه اللعبة هو الوطن ككل، وليس الشخص «المطرود» بأفكاره.

نحن فى حاجة ماسة فى هذه المرحلة أن نستعين باسم الفيلم «اشتباك»، وأن نحوله إلى «فض الاشتباك»، حول المعارك الصغيرة فى الدولة، وأن يتحول الاختلاف إلى حالة صحية من النقاش الذى يبنى ويدفع الوطن للأمام.

وأنتهز هذه الفرصة لأهنئ المخرج محمد دياب والفنانة نيللى كريم بفيلمهما «اشتباك»، وأتمنى أن نهنئ أنفسنا جميعاً قريباً بمرحلة «فض الاشتباك».

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s